( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين)(16)
الجزء ٢ · صفحة ٢٩٩( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين)(16)
هذا الكلام يفيد تقرير ما تقدم من أوصاف أهل النفاق وما يترتب عليها، ومن حيث إن التقرير في مضمونه التأكيد قُطع عما قبله، وقد يقتضي الحال أن يسأل السامع لأوصافهم المتلوة فيما تقدم عن منشأ تلك العجرفة وسبب ذلك الغرور، فيجاب( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى) وهذا يعني أنه استؤنف استئنافا بيانيا، وهو من دواعي عدم العطف أيضا، ومن ناحية أخرى فإن هذه فذلكة لما سبق ومن عادة الفذلكة أن تكون مقطوعة كما في قوله تعالى: ( تلك عشرة كاملة).
والأصل في الإشارة أن تكون إلى متعين إما بحضور شخصه، أو بتعين وصفه، كما تقدم في قوله تعالى: ( أولئك على هدى من ربهم) والمشار إليهم هنا ليست شخوصهم كلها معلومة للرسول صلى الله عليه وسلم، كما يدل عليه قوله تعالى ( لا تعلمهم نحن نعلمهم)، وثم الكثير من الأحاديث الدالة على أن جمهرة من المنافقين لم يكونوا متعينين بشخوصهم للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وإنما جازت الإشارة إليهم لما تقدم من الآيات الكاشفة لأحوالهم، المحددة لأوصافهم، التي جعلتهم كأنما يشاهدون رأي العين.
والإشارة هنا لا تفيد قربا ولا بعدا لعدم الإشارة إلى مكان المشار إليه.
والاشتراء هو أخذ المثمن ودفع الثمن فهو كالابتياع وذهب بعض أئمة اللغة إلى أن فعل وافتعل يتعاقبان في مادة الشراء ولعلهم يستدلون لذلك بقول الشاعر:
فإني شريت الحلم بعدك بالجهل
وانتقد ابن عاشور التسوية وذكر أن الذي جرأهم عليه سوء التأمل في قوله تعالى: ( وشروه بثمن بخس دارهم معدودة)(1)، فتوهموا أن الضمير عائد إلى المصريين مع أن معاده واضح قريب وهو سيارة من قوله تعالى: ( وجاءت سيارة) (2)، أي باعوه ثم قال: " وحسبك شاهد على ذلك قوله" ( وكانوا فيه من الزاهدين) أما الذي اشتراه فهو فيه من