(وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم و أغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون)50
الجزء ٣ · صفحة ٢٤٩(وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم و أغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون)50
تفصيل لما أجمل من قبل في قوله : (وإذ نجيناكم) وعطفه عليه عطف تفصيل على إجمال ، وقد سيقت هذه القصة ببيان أوسع في القرآن المكي لأجل مخاطبته قوما لم يكونوا على عهد بالنبوات وليس في أيديهم شيء يتلونه مما أنزل عليهم ، فكانت توسعة بيانها من مقتضيات التخاطب مع أمثالهم لما فيها من العبر المختلفة والنذر المتعددة ، وبها يزداد المؤمنون الذين يغذيهم القرآن بعلوم النبوات السابقة اتساع أفق ورسوخ قدم وقوة بصيرة .
أما بنو إسرائيل فلم يكونوا بحاجة إلى مثل ذلك البيان الواسع في تحديثهم بها لما استقر عندهم من أخبارها التي يتلونها في الكتاب ويتلقاها الأصاغر منهم عن الأكابر والأخلاف عن الأسلاف ، فلذلك اكتفى بهذا القدر لأن المراد به إشعارهم برد النعمة يلامس أبدانهم التي أرهقها سوء العذاب من فرعون وآله .
وقد كانت هذه النتيجة على يدي موسى عليه السلام إحدى معجزاته الظاهرة للعيان ، فهي معجزة في نفسها لأنها كانت من عدو قاهر ومعجزة في كيفيتها لأنها كانت بطريقة لم تعهد من قبل .
وقد كانت غب ما أمرهم الله به من الخروج من مصر حالة استخفاء من فرعون وآله لئلا يحول بينهم وبين بغيتهم من الخروج ، وقد كان ذلك أمرا إلهيا أوحاه الله إلى موسى عليه السلام وهو الذي يدل عليه قوله عز من قائل : ( وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون )(2) ، وقوله : ( ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا )(3) ، وقوله : ( فدعا ربه أن هؤلاء قوما مكرمون فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون )(4) وهذا هو الذي أقتصر عليه جمهور المفسرين ، وخالفهم بعض المتأخرين كالإمام محمد عبده والسيد رشيد رضا ، وتبعهما القاسمي في محاسن التأويل ، فذهبوا إلى أن ذلك كان بإخراج بل طرد من فرعون بعد أن رأى