القرآن هداية للمتقين
الجزء ٢ · صفحة ٩٤( هدى للمتقين )(2) : القرآن هداية للمتقين:
بدأ سبحانه بنفي الريب عن كتابه ليكون ذلك كالتقعيد لإثبات هدايته، لأن ما حام حوله الريب لا يصلح لأن يكون هاديا وثنى على ذلك بإثبات أنه هدى للمتقين، وهو من باب قولهم التخلية قبل التحلية، وما جانبه الريب جدير أن يكون هدى، إذ الهدى لظهوره ونصوع دلالته لا يبقى معه شيء من الريب، وهو مصدر هدى، كالسرى والتقى والبكى بالقصر في لغة، وقد سبق في تفسير الفاتحة تفصيل معناه وشرح أقسامه، وبقى أن أضيف إلى ما تقدم أنه لا خلاف في كون هذه الكلمة تفيد الدلالة، وإنما الخلاف في كون هذه الدلالة موصلة إلى البغية أولا ، فالزمخشري يرى أنها موصلة ويستدل لذلك بثلاثة أوجه:
أولها: وقوع الضلال مقابلا للهدى في قوله تعالى: ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى)(1)، وقوله: ( لعلى هدى أو في ضلال مبين)(2)، والضلالة هي الخيبة وعدم الوصول إلى المطلوب فلو لم يعتبر الوصول في الهدى لم يجز التقابل بينهما لإمكان اجتماعهما.
ثانيها: أن كلمة مهدي تفيد المدح كالمهتدي، ولا يوصف بالاهتداء إلا الواصل إلى البغية المطلوبة بالهداية.
ثالثها: أن اهتدى مطاوع هدى ولا يختلف مفهوم المطاوع عن مفهوم أصله؛ ككسرته فانكسر وجبرته فانجبر.
ووافق الزمخشري على رأيه هذا البيضاوي والجرجاني، وقد أخذ الجرجاني- في حاشية الكشاف- يدفع عن كلام الزمخشري كل ما أورد عليه، وخالفه قطب الأئمة في هميانة، والفخر الرازي في مفاتيح الغيب، وأبو السعود والألوسي في تفسيريهما، وأطال أبو السعود في نقض كل ما تعلق به الزمخشري، وأخذ يحلل مفهوم الهداية المتعدية واللازمة تحليلا فلسفيا، وانتهى- بعد تطوافه الطويل بين المعالم اللغوية والفلسفية- إلى أن اللازمة لا تكون لازمة للمتعدية وإن كانت أثرا من آثارها.
---------------------
1) سورة البقرة الآية "16"
2 ) سورة