(صِرَاط الذِينِ أنْعَمْتَ عَلَيْهمْ)
الجزء ١ · صفحة ٣١٤(صِرَاط الذِينِ أنْعَمْتَ عَلَيْهمْ)
فصراط هنا بدل من الصراط الذي ذكر من قبل وهذا النوع من البدل يعبر عنه النحويون ببدل الكل من الكل، وزعم بعضهم بأن "صراط" الثاني غير"الصراط" الأول، وكأنه نوى فيه حرف عطف واختلف هؤلاء في تعيينه فجعفر بن محمد يرى أنه العلم بالله والفهم عنه، وبعضهم يرى أنه موافقة الباطن للظاهر في إسباغ النعمة ومنهم من يرى أنه التزام الفرائض والسنن ودعوى أن "صراط" الثاني غير الأول ما هي إلا هروب من الواضح إلى المشكل وفائدة المجيء بالبدل والمبدل منه، التنصيص على أن صراط هؤلاء هو علم في الاستقامة فلو قيل: إهدنا صراط الذين أنعمت عليهم ولم تحصل هذه الفائدة ومثال ذلك إذا أردت المبالغة في وصف أحد بالكرم والفضل فإنك تقول( هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم فلان، فإنك بذلك جعلته علما على الكرم والفضل بحيث إذا ذكر تصور الكرم والفضل في أعلى مراتبهما بين يدي السامع وأمام ناظريه ولو جئت بأسلوب آخر وقلت: هل أدُلك على فلان أكرم الناس وأفضلهم لم تفد العبارة هذه المبالغة وكذلك هنا ذكر أولا الصراط المستقيم ثم فسر بصراط الذين انعم الله عليهم ليكون نصا في أن هؤلاء المنعم عليهم هم معالم الاستقامة وأعلام الاعتدال والرشد يهتدي بهم إلى مرضاة الرب تعالى.
واختلف في المقصود بهم فالجمهور يرون أنهم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون أخذا من قوله تعالى: (وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا) (النساء69) ويعتضد ذلك بذكر الصراط المستقيم في هذا السياق قبل هذه الآية في قوله عز وجل: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا