( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين )34
الجزء ٣ · صفحة ٥٢( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين )34
أسند القول فيما تقدم إلى الرب مضافا إلى الضمير المخاطب المقصود به الرسول صلوات الله وسلامه عليه لما في ذلك من التنبيه بأن مراد الله بهذا الاستخلاف تربية هذا الجنس المستخلف في هذه الأرض بما يمنحه من مواهب وينمي فيه من قدرات ويودع في تكوينه من طاقات حسية ومعنوية ، وذلك مفهوم من لفظة الرب فإنها بمعنى المربي والمصلح كما تقدم في الفاتحة ، وإضافته إلى ضمير الخطاب العائد إليه صلوات الله وسلامه عليه لما ي ذلك من إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم بلغ أرفع رتبة يصل إليها أفراد هذا الجنس فإنه نال من التربية الإلهية الظاهرة والباطنة ما لم ينله أحد من الخلق ، وأحاطت به عنايته تعالى في كل شيء فخرج لهذا الوجود وقد اجتمعت فيه جميع صفات الكمال التي وهبها الله هذا الجنس الإنساني من بين مخلوقاته.
وقد عدل عن هذا الأسلوب هنا إلى أسلوب آخر حيث أسند القول إلى ضمير المتكلم الآتي بصيغة الجمع لإظهار عظمته ، وهذا العدول مما يسمى في عرف علماء البلاغة بالالتفات ، وقد سبق ذكره في سورة الفاتحة ، وأنه يأتي لنكتة عامة وهي تطرية الكلام وتجديد نشاط سامعه ، وقد تكون مع هذه النكتة نكت خاصة بحسب ملاءمات مقام الخطاب ، والنكتة الخاصة هنا أن الأمر بسجود الملائكة لآدم معاكس لما كانوا يتصورونه من فضلهم عليه وأحقيتهم بالخلافة دونه ، فكأنما أراد به تعالى تأديبهم بعد أن أظهر لهم مزيته ، فلذلك حكى هذا الجانب من القصة بهذا الأسلوب ، وفي هذا السجود ما يشبه الاعتذار منهم إليه مما قالوه في شأنه .
---