( صم بكم عمي فهم لا يرجعون) (18)
الجزء ٢ · صفحة ٣١٩( صم بكم عمي فهم لا يرجعون) (18)
اختلف في هذه الآية هل هي من ضمن التمثيل، أو هي خارجة عنه ويعود ما فيها من الوصف إلى المقصودين بالتمثيل وهم المنافقون؟ وعلى الأول فوجه علاقتها بالمثل أن مستوقدي النار لافتقارهم إلى الضوء تشتد حسرتهم، وتتضاعف مصيبتهم إذا ما أتى عليها عاصف من الريح فأطفأها بعد إشراق ضوئها، وبُدُوِّ منفعتها، كيف وقد فاتهم ما يأملون مما هم في أمس الحاجة إليه من الانتفاع بها؛ مع ضياع جهدهم الجهيد في إيقادها فإذا ولي ذلك إلمام حادث فظيع ذهب بسمعهم ونطقهم، وإبصارهم كان ذلك أنكى لهم وأبلغ في حيرتهم، إذ لا أمل لهم يبقى في الاهتداء بصوت يسمع، ولا بشبح يرى، ولا بسؤال يجاب فلا مناص لهم عن الاستسلام للأمر الواقع حيث لا داعي ولا مجيب.
وهذا شأن الذين ضرب فيهم المثل، فهم بعد أن طفئت نار هدايتهم لم تعد لهم وسيلة إلى الخير بعد ما قطعوا جميع الوسائل باستحبابهم العمى على الهدى، فطبع الله على قلوبهم، وطمس حواسهم ومشاعرهم.
وعلى الثاني فإن في الآية عودا إلى المشبه بعد التشبيه بتجلية بعض صفاته لا عن طريق التمثيل ويؤيد هذا الرأي الأخير أن ذكر الاستيقاد يدل على إبصار المستوقد فإذا ما وصف بعد بالعمى وسائر العاهات المذكورة كان في هذا الوصف منافاة لما تقدم من قبل.
---