نداء الفطرة أنجح طرق التربية النفسية
الجزء ٢ · صفحة ٣٤٠وقبل الحديث في هذا الموضوع ينبغي النظر فيما ترتبط به هنا، فقد تقدمها الأمر بالعبادة في قوله( اعبدوا)، وذكر الخلق في قوله: ( خلقكم)، وكل منهما يسوغ ارتباطهما به- فيما يتبادر لي- وإن زعم القرطبي بأن تعلقهما بخلقكم لا يجوز؛ لأن من ذرأه الله تعالى لجهنم لم يخلقه للتقوى، وقد عزا ذلك أبو حيان في البحر المحيط إلى الهدى، وهو قول مرفوض لأن الله تعالى يقول: ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، وهو نص صريح على أنهم مخلوقون للعبادة، ولا ينافي ذرء كثير منهم لجهنم كما أخبر الله، فإن استحقاقهم العذاب إنما هو بسبب إعراضهم عما خلقوا له من العبادة والتوحيد، وذلك لم ينشأ إلا عن اختيارهم بأنفسهم واستجابتهم لدعاء الشيطان، ولم يجبروا على شيء منه وإن مضى القلم بحسب ما علم الله ما يكون منهم، وإذا جاز كونهم مخلوقين للعبادة فأي مانع من أن يكونوا منهم، وإذا جاز كونهم مخلوقين للعبادة فأي مانع من أن يكونوا مخلوقين للتقوى مع أن التقوى هي الغاية من العبادة، وما منعه المهدوي والقرطبي هو الذي عول عليه الزمخشري واقتصر عليه في كشافه، وسوغه ابن عطية، وإنما قلت بصحة كلا المذهبين لأن قوله تعالى: ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) ظاهرا في جواز تعلقها بخلق كما ذكرت، والرأي الآخر يعززه اقتران ذكر العبادات بذكر التقوى في مواضع من القرآن كآيات الحج،وبداية آيات الصوم، وهي قوله: ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) (1)، وفي معنى ذلك قوله سبحانه: ( وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) (2)، وهذه هي عين التقوى، وقوله: ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) (3)، وقد تقدم- والحمد لله- بيان حكمة مشروعية الصلاة، وأنها من أسباب الصلاح الظاهر والباطن وسيأتي الحديث عن سائر العبادات