هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

23

الجزء ١٢ · صفحة ٤٦

﴿ اللهُ نَزَّلَ ﴾ ابتدأ بالله وأخبر ب ( نزّل ) تفخيماً لأحسن الحديث ورفعاً له واستشهاده على حسنه وتأكيداً لاسناد التنزيل إلى الله وأنه من عنده وأن مثله لا يجوز أن يصدر إلا عنه وتنبيهاً على أنه وحي ومعجز مباين لسائر الأحاديث ﴿ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ﴾ هو القرآن وأحسنيته من جهة اللفظ فإنه أفصح الكلام وأبلغه وليس بشعر ولا كنثرهم ومن جهة المعنى فإنه منزل عن التناقض والاختلاف مشتمل على أخبار الماضين والغيب والوعد والوعيد ﴿ كِتَاباً ﴾ بدل من أحسن أو حال منه ولو جامداً لتأويله ب ( مكتوباً ) ولو قيل لا يحتاج لتأويل لوصفه بقوله ﴿ مُّتَشَابِهاً ﴾ يشبه بعضه بعضاً في الصحة والأحكام والبناء على الحق والصدق ومنفعة الخلق وتناسب ألفاظه وإعجازه وتبكيته وتصديق بعضه لبعض ﴿ مَّثَانِىَ ﴾ حال متعددة أو حال من ضمير ( متشابهاً ) أو نعت ثاني لكتاب أو حال منه أو تمييز ل ( متشابهاً ) وهو جمع مثنى بالفتح فالسكون اسم مكان أي موضع الثني أي التكرار ليرسخ في النفوس فإنها لنفورها عن الحق لا يؤثر فيها إلا بالتكرار ولذلك كانت عادة رسول الله A تكرار الوعظ ثلاث مرات وسبعاً والمراد بالثني ما يعم التكرار أكثر من مرتين فلا يرد أنه كثيراً ما يعاد فيه لله حديث ثلاث مرات أو أكثر أو معنى الثني قرن الوعد بالوعيد والأمر بالنهي والرجاء بالخوف وهكذا كالخبر والحكم وقيل إنه يثني فى التلاوة فلا يمل بل يزيد حلاوة مع أن الطبع موكول بمعاداة المعادة وهذا مما يخالف به غيره وإن قلت كيف أطلق مثاني وهو جمع على كتاب؟ قلت : هو تحليل إلى كل أجزائه كقولك : زيد أجزاء فهما بمعنى ﴿ تَقْشَعِرُّ ﴾ أي ترتعد وتضطرب فاؤه القاف وعينه الشين ولامه العين والراء الأولى لام ثانية زائدة وقيل بالعكس وكذا أمثاله كما بينته في شرح اللامية وقيل أصوله القشع وهو الجلد اليابس وزيدت الراء مشددة ليدل على معنى زائد .

﴿ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ تنقبض جلودهم عند ذكر الوعيد المخوف أو مطلق فلشدة حلاوة القرآن وقيل المراد بالجلود القلوب وقيل المراد التمثيل والكناية لشدة خوفهم والظاهر الأول .

قال A : « إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة ورقها » ، أي طاحت ووقعت . وروي « حرمه الله على النار » ، وقرأ أبيّ عن النبي ( فرقت قلوب ) فقال : اغتنموا الدعاء عند الرقة فإنها رحمة .

قال عبدالله بن عروة بن الزبير لجدته أسماء بنت أبى بكر : كيف كان أصحاب رسول الله A يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن؟ قالت كما نعتهم الله تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم فقال لها إن أناساً اليوم إذا قرئ عليهم خر أحدهم مغشياً عليه فقالت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .

٥٬٥٤٦ / ٧٬٦٨٠