كتاب التخصيص أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

[توبة الله على جيش العسرة مخصَّص بغير المنافقين منهم]

الجزء ١ · صفحة ٢٥٦

<256> وبالله التوفيق.

باب: القول في الآيات عَلَى الانفراد

[توبة الله على جيش العسرة مخصَّص بغير المنافقين منهم]

أَمَّا قَوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيءِ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالاَنصَارِ الذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمُ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة التوبة: 117]، فالذي تواطأ عَلَيْهِ أهل التفسير أَنَّ هَذِهِ خَاصَّةٌ في الذين اتَّبعُوا رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى غزوة تبوك، وَأَنَّ التوبة من الله عَلَى مَن هَمَّ منهم ألاَّ بنفر مع النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم إِلَيْهَا، فعزم الله لهم عَلَى الخير فاتَّبعُوه، قال [كذا]: فالتوبة من الله تَعَالىَ على النبيِّ فيما قيل تجاوز عنه فيما تَقَدَّمَ في الجَاهِلِيَّة قبل أن يوحى إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا كانت غابل [كذا] كقوله في سورة الفتح: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [سورة الفتح: 2]، فما تَقَدَّمَ: في الجَاهِلِيَّة، وما تأخَّر: في الإِسلاَم. قال بعض: معناه ليغفر لك الله عَلَى كُلِّ حال، كان لك ذنب أو لم يكن. قالوا: وَأَمَّا ما تَقَدَّمَ من ذنبه فَإِنَّهُ كان عَلَى شريعة إسماعيل من أمر الطلاق والعتاق وحفظ الجوار وحسن العشرة، والدية عشرة آلاف، وكان قد زوَّج ابنته من ابن أبي لهب ومن أبي العاص بن الربيع قبل أن يوحى إِلَيْهِ، ولم يكونوا مسلمين، وَتَزَوَّجَ خديجة رَحِمَهَا اللهُ قبل أن يوحى إِلَيْهِ، فكان ما كان منه قبل الوحي مغفورا له؛ لأَنَّهُ كان عَلَى غير عبادة، ولا عزم عَلَى خلاف. وفي هَذِهِ الآية رَدٌّ عَلَى الرافضة من زعم أَنَّ الأنبياء لا يجوز عَلَيْهِم الخطأ والذنوب؛ فَهَذَا معنى التوبة عَلَى النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم عَلَى ما ذكره الْمُفَسِّرُونَ.

والتوبة عَلَى المهاجرين والأنصار أراد بها الذين همُّوا ألاَّ ينفروا، فخاطب بذكرهم جميعا، وأراد مَن همَّ منهم بالوقوف عن رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ التخصيصُ في قَوله: ﴿وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الاَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلآَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة التوبة: 118]، فلو أراد جميع المهاجرين والأنصار ما ذكر الثلاثة الذين خلِّفوا لأَنَّهُم منهم، وَإِنَّمَا ذكرهم وأراد بعضَهم.

وَدَلِيل ثان: كون المنافقين في تلك الغزوة بعد دخولهم في الأنصار، فخروجهم بنفاقهم بعد اشتمال اسم الأنصار عَلَيْهِم دَلِيل التخصيص في ذَلِكَ، وَإِنَّمَا خصَّهم بذكر التوبة لوقوف بعضهم عن رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، واهتمام بعضهم بالوقوف تشديدا منه في ذَلِكَ؛ حَتَّى قيل: نصب ابن أمِّ مكتوم لواء بالبقيع إلى أن أنزل الله ﴿غَيْرَ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾ [سورة النساء: 95]، لأَنَّهُ تلك الغزوة شدَّد الله عَلَى المسلمين فيها ما لم يشدِّد في غيرها فقال: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ [سورة التوبة: 41]، وقال: ﴿اِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا اَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذَ اَخْرَجَهُ الذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنِ اِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [سورة التوبة: 39 - 40]، فَهَذِهِ الآية مقيَّدة بالذين اتَّبعُوه في ساعة العسرة، والساعة تقع عَلَى كُلِّ زمان، وكان في ذَلِكَ الوقت حرٌّ شديد، وكانوا في ضيقة شديدة، وكان الجمل بين جماعة يعتقبون عَلَيْهِ، وكانوا في الشدَّة والفقر، رُبَّمَا قسموا التمرة اثنان [كذا]، وَرُبَّمَا نحروا الإبل ليشربوا من ماء كروشها من الحرِّ، فحثَّ الله عَلَيْهَا، ونبَّه عَلَى فضل من سارع إِلَيْهَا، وليس

٤٠ / ٥٣