فصل [خلاصة رأي الإباضيَّة في الخلفاء الراشدين ومعاوية]
الجزء ١ · صفحة ٢٥٤<254> المهاجرين، ثُمَّ يمكن الخصوص فيه لنسخ الهجرة، فَكَأَنَّهُ قد رضي بِذَلِكَ الفعل ورضاه عنهم في ذَلِكَ رضاء منه عنهم في ذاتهم.
قلنا: من قد رضي عنه لا يجوز أن يسخط عَلَيْهِ، ومعلوم أَنَّ رضاه عَلَى الحقيقة الجَنَّة، ولن يعطي الجَنَّة من لم يرض عنه. وإذا كان الرضا والمغفرة إِنَّمَا هو الجَنَّة في الحقيقة فكيف يستحيل ذَلِكَ أو يدخله التخصيص بعد القطع بالعموم؟!.
فصل [العمل بالعموم ما لم يصحَّ التخصيص في الأحكام الاجتهاديَّة لا في أخبار الغيب]
فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون الحكم للحكم إلى أن يَصِحَّ التخصيص، فما لم يتيقَّن خصوصه فهو معنى عَلَى العموم؟.
قلنا: هَذَا صحيح في باب الأحكام نظرا واجتهادا، لا يقينا وحقيقة وأخبار الغيوب عَلَى ما قَدَّمنا ذكره لا يحتمل فيها ذَلِكَ، فإن معتقد العموم فيها عَلَى الحقيقة لا يقبل التخصيص، فمتى طلب دَلِيلاً عَلَى التخصيص فقد أدخل عَلَى حقيقته الزوال والنقض، ولزمه ترك الحقيقة، ومتى تَرَكَ القطعَ بالحقيقة التي لا يُدفَعُ يقينُ حُكْمِ الظاهرِ إِلاَّ بها وجب عَلَيْهِ الحكم بالظاهر، وهو ما أردناه، فَهَذَا مِمَّا يصدُّ عن القطع بولاية كُلِّ من هاجر ونصر عَلَى الحقيقة عَلَى الانفراد، وسقوط هَذَا عَنَّا يلزمنا الرجوع إلى حكم الظاهر بمعاينة أو شهادة أو إقرار أو شهرة، فَإِنَّهُمَا فرضان لا يسقط أحدهما إِلاَّ بوجوب الآخر، وقد يسقطان جميعا عَمَّن لم يَصِحَّ معه وجوب أحدهما.
فصل [خلاصة رأي الإباضيَّة في الخلفاء الراشدين ومعاوية]
وحكم الظاهر قد أوجب عَلَى من صَحَّ عنده اختلاف المهاجرين والأنصار بالدين، أو محاربتهم بعضهم بَعْضًا عَلَى ذَلِكَ أن يشهد بِأَنَّ أحدهم مبطل في ذَلِكَ الاختلاف خَاصَّةً، من غير أن يخطئه في غير ما أخطأ فيه. فاختلافهم وتنازعهم لا أحسب أحدا مِمَّن سمع بأخبارهم ينكره، وَإِنَّمَا وقع التنازع بين الناس اليوم وقبله في المحقِّ منهم من المبطل، وفي المخطئ من المصيب.
فكان قول أهل الحقِّ أَنَّ الإجماع الذي وقع بعد رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم عَلَى إمامة أبي بكر هو الحقُّ، وَأَنَّ من خالفه مبطل. وَأَنَّ الإجماع الذي بعد أبي بكر بعمر بن الخطاب بالإمامة هو الحقُّ، وَأَنَّ من خالفه هو المبطل. وَأَنَّ الإجماع الذي وقع لعثمان بعد أبي بكر وعمر رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا بالإمامة هو الحقُّ، وَأَنَّ من خطَّأه مبطل. وَأَنَّ الإجماع الذي زالت به إمامة عثمان بعد شهرة أحداثه التي أنكرها المسلمون عَلَيْهِ، وأرادوا عزله بها فامتنع، وقاتلهم فقتلوه هو الحقُّ، وَأَنَّ المخالف له هو المبطل.
فإن قيل: وأين الإجماع الذي قتل به عثمان، وَإِنَّمَا قتله طائفة من أهل مصر فيمن تبعهم من الناس، من غير أن تكون من الصحابة معونة لهم عَلَى ذَلِكَ، وأيُّ اختلاف وأيُّ تنازع أعظم من هَذَا؛ لأَنَّهُ هو ومن تبعه تمسَّكوا بالإجماع الذي تَقَدَّمَ له من الإمامة عَلَى ما أصَّلتَ، والذين حاربوه هم المخطئون المخالفون للإجماع، والواقفون فرقة ثالثة بين ذَلِكَ؟.
قيل له: فممَّ كان يتوب إن أقررتم بالتوبة أَنَّهُ تاب مِمَّا كانوا ينكرون عَلَيْهِ، أليس من خطأ قد واقعه؟ ثُمَّ كيف ساغ للصحابة ترك نصرته ومحاربة من طلب بدمه بعد قتله، فَلاَ بُدَّ هاهنا