كتاب التخصيص أحمد بن عبد الله بن موسى الكندي أبو بكر

باب في بيان الخطاب لفريق من الناس في الجملة إلى من يرجع إلى أشخاصهم أو إلى دينهم؟

الجزء ١ · صفحة ٢٣٤

<234> وكانوا في وسط الوادي، والمشركون قِبلَ أُحد، فعبَّأ رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم لِكُلِّ كتيبة كتيبةً، ثُمَّ قال: إذا هزم الله المشركين فلا تتبعوهم، واثبتوا مكانكم قبالة أُحد، ولا يشدَّنَّ عَنِّي منكم أحد. ثُمَّ أتى الأنصار، فقعد تحت رايتهم، وأوعز إِلَيْهِم نحو ما قال للمهاجرين. ثُمَّ هزَّ صلَّى الله عليه وسلَّم رايته وشدَّ عليهم، وشدَّ معه المهاجرون والأنصار، فانهزم أعداء الله، وصفَّ النَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم قِبَل أُحد في يسير من أصحابه، وجعل خمسين رجلا رماة، وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير الأنصاري، من بني عمر بن عوف، فجعلهم قبل خيل المشركين، وأمرهم ألاَّ يبرحوا يرموا، وقال: إِنَّ الخيل لا تردنا ما ثَبَتُّمّ، فإن رأيتم الخيل قد تحركت فارموها برشق من النبل، فَلَمَّا هزم الله المشركين، ودخل المؤمنون عسكرهم رأتهم الرماة وهم يأخذون الأسلاب، قالوا: أدركوا الغنيمة لِئَلاَّ يسبقكمها الناس، فقالت طائفة: بل نثبت مكاننا، فرجعت طائفة وثبتت طائفة، فحملت الخيل عَلَى من ثبت وقتلوهم، فدخلوا العسكر، وقتلوا من وجدوا من أصحاب رَسُول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم وهزموهم؛ وَذَلِكَ قَوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الاَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّنْ يُّرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّنْ يُّرِيدُ الاَخِرَةَ﴾ [سورة آل عمران: 152]، فهم الذين قالوا: نثبت مكاننا عَلَى ما عهد إلينا نبيُّنا.

قيل: قال عبد الله [بن] مسعود رَحِمَهُ اللهُ: ما كنت أدري أَنَّ في أصحاب النبي - عليه السلام - أحدا يريد الدنيا حتَّى كان يومئذ. فقد صحَّ أنه كان بعض هؤلاء المؤمنين يريد الدنيا، وهو يقول سُبْحَانَهُ: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الاَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُوتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الاَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ (1) [سورة الشورى: 20]، وقال: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمُ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الاَخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة هود: 15 - 16].

وَصَحَّ أَنَّهُ كان فيهم طائفة غير مَرْضيَّة، وهم الذين قال الله [فيهم]: ﴿وَطَآئِفَةٌ قَدَ اَهَمَّتْهُمُ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [سورة آل عمران: 154]، يقال فيهم: أهل الشكِّ والريبة، أي كظنِّهم في الجَاهِلِيَّة، ﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الاَمْرِ مِن شَيْءٍ﴾، يقول الله تَعَالىَ: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ﴾، فكان ما أخفوا في أنفسهم أن قالوا: ﴿لَو كَانَ لَنَا مِنَ الاَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾: لو كُنَّا في بيوتنا ما أصابنا القتل.

واستحقاق هَؤُلاَءِ جميعا في الجملة التسمية لم يوجب لِكُلِّ من صَحَّ به منهم الإيمان عَلَى الحقيقة، ولو كان ذَلِكَ موجبا لِمَا ذكره المعارض ما ذمَّ سُبْحَانَهُ منهم أحدا، إذ هو الذي مدحهم، فكيف يمدحهم جميعا ثُمَّ يذمُّ بعضهم؟ بل مدْحُه لهم في الجملة إِنَّمَا أراد المستحقِّين له، لأَنَّهُم كانوا فريقين: فريق ثبتوا عَلَى ذَلِكَ السبيل حَتَّى مضوا، وفريق فارقوا ذَلِكَ السبيل وتركوه.

فإن قيل: ما تنكر أن يكونوا تابوا من ذَلِكَ؛ لأَنَّ الآية الْمُتَقَدِّمَة توجب ولايتهم عَلَى الحقيقة؟ قيل له: لا يستقيم ذَلِكَ أن يذمَّ قوما وهو في الحقيقة راض عنهم (2)، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ من قِبل أَنَّ الثناء عَلَى الواحد بعينه لا بحال قام به هو إخبار عن محلِّه في الآخرة (3)، وَهَذَا الخبر إذا وقع بالرضا في مُعَيَّن لم يجز أن يحدث السخط عَلَيْهِ، وإذا وقع السخط في مُعَيَّن لم ينبغِ أن يحدث الرضا عليه، فافهم ذَلِكَ وبالله التوفيق.

ثُمَّ إِنَّ الله تَعَالىَ ذمَّ محاربتهم،

(1) فيِ الأَصْلِ: «﴿وَمَنْ يُّرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُوتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُّرِدْ ثَوَابَ الاَخِرَةِ﴾ [سورة آل عمران: 145] إلى قوله: ﴿مِن نَّصِيبٍ﴾ [سورة الشورى: 20]»، ونلاحظ أَنَّ الْمُؤَلِّف خلط بين آيتين مختلفتين، كما هو واضح من تخريجهما.

(2) هَذَا غير مسلم به، ألا ترى أَنَّ الله تَعَالىَ عاتب النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في عِدَّة مواضع من القرآن، وهو مرضيٌّ عنه، بل هو خير البَرِيَّة؟!.

(3) وضعنا هذه الكلمة من اجتهادنا، ففي الأصل: «اللـ … زه [انمحاء]».

١٨ / ٥٣