البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

قضية الخلود أو عدمه

الجزء ١ · صفحة ٦٨٩

وانطلاقا من هذه النصوص التي جاء فيها ذكر الخلود مرات مشفوعا بالتأبيد ومرات غير مشفوع به، ومرات صريحا للمشركين ومرات صريحا للعصاة من أهل الصلاة كان الخلاف بين الأصوليين فما هي أبرز المواقف في هذه القضية وما هي مكانة الإباضية منها؟ وما هي الحجج المعتمدة نقلا وعقلا عن صح للعقل أن يحكم؟ وما هي الأبعاد الحضارية لهذه المواقف؟

مختلف المواقف من قضية الخلود:

لقد لخصها السالمي في خمسة حيث يقول:" والناس فيه على مذاهب: أحدها: وهو قول الأشعرية: إن أهل الشرك مخلدون في النار وأهل الكبائر مما عدا الشرك إما أن يعفى عنهم فلا يدخلونها وإما أن يعذبوا بقدر أعمالهم ثم يخرجون منها.

المذهب الثاني: عن أهل النار مشركهم وفاسقهم غير مخلدين فيها، ونسب هذا إلى طائفة خرجت عن الإسلام.

المذهب الثالث: إن أهل الكبائر غير معذبين قطعا وإنما العذاب لأهل الشرك خاصة ونسب هذا إلى مقاتل وبعض المفسرين.

المذهب الرابع: إن الجنة والنار فانيان بعد دخول أهل كل واحد منهما فيها، ونسب هذا القول إلى جهم بن صفوان.

المذهب الخامس: وهو مذهب أهل الاستقامة والمعتزلة: إن أهل الكفر من معاصي الله كانوا مشركين أو فاسقين مخلدون في النار دائما، لكن أهل الاستقامة يقولون:" إن التعذيب بعدل الله والثواب بفضله، والمعتزلة يقولون بوجوب (13) ذلك عليه تعالى عن ذلك بناء على أصلهم الفاسد في التحسين والتقبيح العقليين" (14) .

والمتأمل في كتب الأصول يلمس أن الصراع بقي على أشده بين أصحاب الموقف الأول (15) وأصحاب الموقف الخامس (16) .

والملاحظ أيضا أنه يصعب الوقوف عند كل النصوص القرآنية التي تجاذبها الطرفان ولذلك سننتخب منها ما نرى أنه أكثر تعبيرا عن القضية إذ كل ما استشهد به يمس الموضوع من قريب أو من بعيد. وسنسلك في هذه المرة مسلك عرض حجج الطرفين في نفس الوقت لنلخص إلى الاستنتاجات العامة بعد ذلك ومنهجنا يقوم على عنصرين أساسيين:

٦٨٩ / ٧٤٦