البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

انعكاسات هذا الموقف على المحيط الإباضي

الجزء ١ · صفحة ٧٣٤

أما أثر هذه العقيدة في باب الفتاوي فهو واضح في أوساط الإباضية فمن ذلك انتشار مبدأ أداء الكفارات، فتجد الناس عند العزم على أداء فريضة الحج أو عند التوبة يتحرون التحري التام في أداء حقوق الله تعالى والتنصل من حقوق العباد، وقد أشرنا من قبل إلى قولهم بالكفارات الاحتياطية من باب أن الحسنات يذهبن السيئات وهي كفارات اجتهادية اعتمد فيها على القياس على ما نص عليه الشرع.

ومن ذلك قولهم بتحريم استعمال الشمة والتبغ منذ دخول هاتين الآفتين الى المجتمعات الإسلامية ولم يقل واحد من الإباضية فيها بالكراهة أو التحليل كما فعل كثير من فقهاء المذاهب الأخرى. ولن تجد في مساجد الإباضية وحلقات القرآن عندهم فقهاء أو عامة يتهادون الشمة كما يفعل في حلقات أخرى.

بقي أن ننبه إلى أثر هذه العقيدة في مستوى التعامل المادي والأخلاقي إذ من يعتقد أن القليل من متاع الناس يورث الخلود في النار لا يمكن أن يقبل على أخذه وإن غلبت عليه شهوته سرعان ما يبادر الى إرجاع الحق الى أهله بطريقة مباشرة أو غير مباشرة وتجار الإباضية مشهورون بمحافظتهم على أمانات الناس (40) إذ تجد ودائع أهل الحي غالبا محفوظة عندهم (41) .

لست بهذا التحليل أدعي أن الأوساط الإباضية خالية من الإنحارف بل إن انحراف البعض منهم يتجاوز الحد، لكنه ينتهك عن علم لا عن جهل وإن كان إثم هؤلاء أكثر إلا أن توبتهم تكون نصوحا في ما بعد، وكأن في ذلك التصرف نوعا من الانفجار كثيرا ما يورث في أصحابه ندما وإنابة يؤديان الى تفان بعد ذلك في العبادة. لكن كل ذلك يبقى عصيانا ذاتيا لا يتسرب شره الى المجتمع الذي يصونه نظام الولاية والبراءة (42) المنبثق عن العقائد الأصولية لتذكير الناس بالزجر الإلهي عندما ينعدم السلطان الذي يقيم الحد ويذكر الناس بعظمة الله عند الغفلة عنها.

٧٣٤ / ٧٤٦