تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

98

الجزء ٣ · صفحة ٥

وما المال والأَهلون إِلا ودائع … ولا بد يوما أَن ترد الودائع

ويقوى قول ابن عباس أَن المستقر أَقرب إِلى الثبات من المستودع ، فعنه أَن النطفة الواحدة لا تبقى فى صلب الأَب زمانا طويلا ، والجنين يبقى فى الرحم زمانا طويلا ، وقال سعيد بن جبير : قال لى ابن عباس رضى الله عنهما : هل تزوجت؟ قلت : لا . قال : أَما أَنه ما كان مستودع فى ظهرك فسيخرجه الله ﴿ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾ ذكر العلم فى النجوم والفقه فى تخليق بنى آدم لأَن أَمر النجوم ظاهر مشاهد فى الاهتداءِ ، وتخليق بنى آدم من نفس واحدة وتصريف أَحوالهم وأَطوارهم غامض . ومادة فقه لما يحتاج إِلى تدقيق نظر وللشق والفتح ، والفقيه من يشق الأَحكام ويفتش عن حقائقها ويفتح ما استغلق من ذلك ، إِن علم الشريعة سمى فقها لاحتياجه إِلى تدقيق النظر للاستنباط ، وأَنفس بنى آدم أَدق صنعا فذلك الاستدلال بها على الصانع أَدق ، وقيل : العلم والفقه بمعنى ، وذكر الفقه لئلا تتكرر الفاصلة وللتفنن ، وقيل : الفقه دون العلم ، كحال من لا يتأَهل للعلم كالحيوانات ، وقد يكون لشئ أَهلية للعلم ولم يعلم فتقول لا يعلم ، ومن لا يستدل من نفسه شبه حمار ، والله المستعان ، امتن الله علينا بإِيجادنا فى الآية السابقة وبما نحتاج إِليه فى معاشنا بقوله :

﴿ وَهُوَ الَّذِى أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءٍ ﴾ إِلخ ، أَى من السحاب أَو من جهة السماءِ ، قال أَبو على الجبائى من المعتزلة فى كل آية فيها إِنزال الماء من السماء أَنها على ظاهرها إِذ لا دليل يخرجها عن الظاهر ، فالله خلق الماءَ فى السماء وأَنزله إِلى السحاب ، قلت : هو محتمل صحيح والله قادر أَى يوصله إِلى السحاب فى لحظة من مسيرة خمسمائة عام فى الهواءِ بعد خمسمائة فى الغلط ، وهو منزل بتدريج متوال على مقادير من الزمان متواصلة ، وشاهد القبائل ونحوهم وهم على جبل عال سحابا ومطرا أَسفل منهم ، يقال : ذلك من بخارات تجتمع تحت الأَرض وتخرج وتنعقد ماء كما نشاهد القطر من سقف الحمام ، ولا يلزم من صعودها دائما الإِمطار دائما وأَن لا مطر فى الصيف وأَلا يحصل البرد وقت الحر ، ولا أَن تصعد البخار يدعو إِلى تفرقة فكيف ينعقد؟ لأَن الله تعالى أن يفعل ما يشاءُ ، وأَن يحدث مانعا ، والآية أَيضا نعم بالغة وإِحسانات كاملة ، وفى الآية تغليب الماضى على الآتى ، لأَن ما مضى أَكثر وفيه استدلال على المستقبل . ﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ ﴾ مقتضى الظاهر فأَخرج به ، لكن لفظ التكلم إِظهار لكمال العناية بشأن ما أَنزل الماءَ لأَجله ، وإِظهار أَيضا لعظم آثار قدرته لعظمه موجده ، وزاد تفخيما بضمير العظمة إِذ لم يقل فأَخرجت بالتاء المضمومة ، أَو أَنزل المنتظر منزلة الواقع ، لكن يفوت الكلام على ما مضى أَو يشمله فيكون من استعمال الكلمة فى الحقيقة والمجاز ، وفى الالتفات مطلقا تطرية ، وهنا زيادة أَن العارف يتقوى بما مضى من طرق الغيبة حتى يتأَهل لأن يكون الكلام معه بطريق التكلم وهو أَقوى ، والتعقيب بالفاء للمبالغة ، أَو هو فى كل شئ بحسبه ، وفى بعض المواضع والأَزمنة يتصل إِخراج النبات بالإِنزال ، أَو هى هنا لمجرد السببية ، أَو بمعنى الواو ، أَو يقدر مضت مدة فأَخرجنا به ﴿ نَبَاتَ كُلِّ شَئٍ ﴾ يتصف بأَنه ينبت ، فما لا يكون له نبات لا يدخل فى قوله كل شئ ، والنبات مالا ساق له ، وقيل مالا ساق له وما له ساق على اختلاف ذلك لونا وطعما ومنفعة مع اتحاد الماءِ فذلك من أَدل دليل على كمال القدرة ، قال الله عزو جل

١٬٠٠٥ / ٦٬٠٩٣