82
الجزء ٢ · صفحة ٤٨٠﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ بالله ورسوله وكل ما يجب الإِيمان به عليهم ﴿ وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ ﴾ ولم يخلطوا ﴿ بِظُلْمٍ ﴾ لأَنفسهم بكبيرة فيما بينهم وبين الله ، أَو فيما بينهم وبين الخلق ، والتنوين للتعظيم ، فإِن الكبيرة ذنب عظيم كاسمها ﴿ أُولئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ ﴾ فى الآخرة من عذَابها ﴿ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ إِلى ما ينفعهم دنيا وأُخرى ، وأَما من آمن ومات على كبيرة غير تائب فلا أَمن لهم وهم ضالون ، وهذا رد على المرجئة الخلص الذين لا يجزمون بالهلاك على من مات وهو مصر وعلى الأَشعرية الذين أَجازوا دخول المصر الجنة ، وقالوا بأَنه يقع لبعض والبعض الاخر يدخل النار ، ويخرج منها عندهم فكانوا فى طرف من المرجئة ، وأَما حديث البخارى ومسلم بسندهما عن ابن مسعود أَنه لما نزلت الآية شق ذلك على المسلمين قالوا : أَينا لم يظلم نفسه ، فقال رسول الله A : ليس ذلك ، إِنما هو الشركنم أَلم تسمعوا قول لقمان لابنه ﴿ يا بنى لا تشرك بالله إِن الشرك لظلم عظيم ﴾ وفى رواية : ليس هو كما تظنون إِنما هو كما قال لقمان لابنه ، فإِن صح فإشنما هو بيان لهذه الآية أَن المراد بالظلم فيها الإشراك ، ويناسبه أَن الآية فى الفريقين فتبقى سائر آى الوعيد وأَحاديثه الدالة على هلاك من مات على كبيرة من الكبائر السبع أَو سائر الكبائر ، ومنها الإِصرار على الصغائر فى إِيمانه خيراً لا ينفعه إشيمانه ، ولنا أَيضاً دليل عقلى لا يقاومه حديث الآحاد ، وهو أَن الإِيمان لا يجامع الكفر ، وأَما ما أَجابت به الأَشعرية من أَن المراد بالإِيمان التصديق بوجود الصانع وهو يجامع تعديد الآلهة ، أَو المراد بالإِيمان باللسان دون القلب ، وأَن المراد بالظلم الإِشراك بتعديد الآلهة ، أَو بالقلب دون اللسان فيرده إن ظلماً نكرة فى سياق النفى ، فهى إِما استغراق لكل كبيرة ، وإِما ظاهرة فى الاستغراق ، وأَيضاً لم يذكر فى القرآن آمن وأُريد به مجرد التصديق ، ولو مع التعديد ، أَو التصديق باللسان فقط إِلا وهو مقرون بما يدل على ذلك ولا دليل هنا ، وأَما آيات المشيئة مثل يغفر لمن يشاء ، ويغفر ما دون ذلك ، فمعناه المغفرة لمن يشاء توفيقه للتوبة ، وإِلا لزم أَن يغفر للنصارى مع بقائهم على الشرك ، فى قوله ﴿ وإِن تغفر لهم فإِنك أَنت العزيز الحكيم ﴾ والآية من كلام الله عزو جل على الصحيح ، أَو من كلام إِبراهيم كما روى عن على مستأنفة ، أَو يقدر خبر لمبتدأ محذوف ، أَى الفريق الأَحق بالأَمن الذين آمنوا . . إِلخ . . وعلى هذا يكون أُولئك مستأنف ولا حاجة إِلى تقدير قال إِبراهيم : الذين آمنوا . . إِلخ . . ولا يصح ما قيل أَنها من كلام قومه ، أَجابوا بما هو حجة عليهم
﴿ وَتِلْكَ ﴾ القصة التى ذكرناها عن إِبراهيم من قوله تعالى