165
الجزء ٣ · صفحة ٩٢﴿ وَهُوَ الَّذِى جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ ﴾ جمع خليفة ، والخليفة إِذا كان المؤنث يؤنث وإِذا كان لمذكر يذكر ولا يؤنث فتقول : جاءَ الخليفة وهذا الخليفة ، ولا تقول جاءَت أَو هذه ، وشذ قوله : أََبوك خليفة ولدته أخرى ، وظاهر قول بعض إِن منهم من يقول خليفة أُخرى ، أَن التأنيث لغةن ومعنى جعلهم خلائف أَنهم يخلفون من قبلهم أَو أَن بعضا يخلف بعضا ، أَو جعلكم خلفاءَ الله فى أَرضه فوحدوه واعبدوه ولا تجوروا فىتصرفاتكم فيها ، أَو الخطاب للمؤمنين جعلهم خلفاءَ الأُمم السابقة ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ﴾ بالمال والجاه والشرف والقوة والحسن والغنى والعلم والجود وكرم الأَخلاق ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ فِى مَا آتَاكُمْ ﴾ أَيكم يشكر الخير ويصبر على السوءِ ﴿ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ ﴾ للعصاة ، والسرعة عبارة عن القرب ، لأَنها سبب للقرب وملزوم له فى الجملة ، وكل ما هو آت قريب أَو سريع التمام إِذا جاءَ لا يؤخر عن وقته ﴿ وإِنه لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ بالغ فى الغفران والرحمة بصيغتى المبالغة ولام التأكيد وإِسنادهما إِلى نفسه بخلاف العقاب فلا صيغة مبالغة فيه ولا معه لأَن سريع صفة مشبهة لا صيغة مبالغة ، ولا أَسند السرعة إِلى نفسه ولا أَسند العقاب إِلى نفسه ، إِذ لم يقل إِنى سريع فى العقاب ولا إِنى معاقب سريعا ، وذلك تلويح بأَنه غفور رحيم بالذات وكثير الغفران والرحمة ومعاقب بالعرض قليل العقاب ، وذلك ترجيح للمغفرة والرحمة ، ومعنى قولنا بالذات بالأَصالة والرجحان وسبق الرحمة للغضب لا ما قيل إِن معنى بالذات أَن غفرانه ورحمته لا يتوقفان على شئ ، ومعنى بالعرض أَن العقاب يتوقف على الذنب ، لأَنا نقول المغفرة والرحمة تتوقفان على العمل الصالح والتوبة فإِن عدم توقفهما على ذلك مذهب المرجئة ومن اعترف منهم ، قال بعض :
أَنا مذنب أَنا مخئ أَنا عاصى … هو غافر هو راحم هو عافى
قابلتهن ثلاثة بثلاثة … ولتغلبن أَوصافه أَوصافى
وقال الشافعى :
ولما قسا قلبى وضاقت مذاهبى … جعلت الرجا ربى لعفوك سلما
تعاظمنى ذنبى فلما قرنته … بعفوك ربى كان عفوك أَعظما
قال أَبو نواس :
يا رب إِن عظمت ذنوبى كثرة … فلقد علمت بأَن عفوك أَعظم
إِن كان لا يرجوك إِلا محسن … فمن يلوذ فيستجير المجرم
وفى الأَعراف اللام فى الموضعين لأَن ما فيها بعد ﴿ وأَخذنا الذين ظلموا ﴾ وبعد ﴿ كونوا قردة ﴾ فناسب اللام فى سريع لذلك ، ولأَنه مقطوع بالعذاب فيها ، وهنا فى وعظ لمن يزدجر وبعد قوله : من جاءَ ، وقوله : وهو الذى ، وكانت اللام فى الثانية فى الأَعراف تبعا للأُلى فيها ولتأكيد الغفران فى الجملة لا فى للمقطوع عليهم بالشر المذكورين قبلها . والله أَعلم ولا حول ولا قوة إِلا بالله العلى العظيم .