104
الجزء ١ · صفحة ١٢٣﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ ﴾ للنبى A ﴿ رَاعِنَا ﴾ اعتبرنا وانظر أحوالنا ، وتدبرها ، وتدارك مصالحنا ، وتأنّ بنا حتى نفهم ما تقول ، هذا مرادهم ، رحمهم الله ، ومن ذلك رعى الغنم ونحوها ، والمفاعلة للمبالغة هنا ، وهى بلغة اليهود سب ، لما سمعوا المؤمنين يقولونها قالوها له A سبّاً فى لغتهم ، عبرية أو سريانية ، يتسابون بها بينهم ، فكانوا يسبون بها النبى A ، وليست من الرعونة بمعنى الحمق ، وإن كانت منها فمما توافق فيه لغة العرب والعجم ، وقد يكون بين لفظ العرب ولفظهم مغايرة فيزيلونها ليوافقوا كلام العرب خداعاً للسب .
وقد قيل ، معناها ، اسمع لا سمعت ، وقالوا ، كنا نسب محمداً سرّاً فأعلنوا به الآن ، فيقولون ، يا محمد راعنا ، ويضحكون فيما بينهم ، ويقال ، كان مالك بن صيف ، ورفاعة بن زيد إذا لقيا النبى A قالا وهما يكلمانه ، راعنا سمعك ، واسمع غير مسمع ، فظن المسلمون ، أن هذا شىء يعظمون به الأنبياء فنزلت الآية .
ويقال ، كان ذلك لغة للأنصار فى الجاهلية ، وكان سعد بن معاذ ، أو سعد ابن عبادة يعرف لغتهم ، فسمعهم يقولونها للنبى A فقال : يا أعداء الله ، عليكم لعنة الله ، والذى نفسى بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله A لأضربن عنقه ، قالوا ، أو لستم تقولونها؟ فنزلت الآية قطعاً لألسنة اليهود عن التدليس ، ويحتمل أن يريد أنت راعن ، أو يا راعن ، أى أحمق ، فزادوا الألف وفتحوا ، أو أنت راعينا لا نبى ، فحذفوا الياء أو اختلسوها ﴿ وَقُولُوا انْظُرْنَا ﴾ اعتبرنا حتى نفهم ، أو أمهلنا ، فإنه يقال ، نظره بمعنى أمهله فلا حادة إلى تقدير انظر إلينا ﴿ وَاسْمَعُواْ ﴾ من رسول الله A قبول وعمل وانتهاء بجد ، بحيث لا تحتاجون إلى الإعادة وطلب المراعاة ، لا كقول اليهود سمعنا وعصينا ، السابين براعينا ، ولا تكونوا أيها المسلمون مثلهم فى طلبكم الإعادة ﴿ وَلِلْكَافِرِينَ ﴾ اليهود السابين براعنا . أو جعله للكافرين . فدخل اليهود ، وذلك السب كفر ﴿ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ زعم طائفة من اليهود أنها يودون الخير للمؤمنين فكذبهم الله D بقوله :
﴿ مَّا يَوَدُّ ﴾ يحب ، أو يتمنى حسداً ﴿ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ ﴾ أى ، وهم أهل الكتاب ، وكلهم كفرة ، إذ لم يؤمنوا برسول الله A ، إلا من آمن ، كعبدالله بن سلامن وإن جعلناها للتبعيض فالمراد البعض الأكثر ، وهو خلاف الظاهر ﴿ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ من العرب ، والكلام جاء فيهم عطف على أهل الكتب ، وذكرهم اتباعا لليهود ، وهم لم يدعوا ود الخير للمؤمنين ، ولذلك أخرهم ﴿ أَنْ يُنَزَّلَ ﴾ أى أن ينزل الله ﴿ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ ﴾ نائب فاعل ينزل ، فمن صلة للتأكيد والاستغراق ، وصح ذلك مع أن قوله ينزل مثبت لانسحاب نفى الود إليه ، والمراد بالخير الوحى والعلم والنصر ، وغير ذلك من أنواع الخير ، وكراهتهم تعم كل خير .