تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

19

الجزء ١٠ · صفحة ٢٥٩

﴿ وجاءت ﴾ الخ تقرير للبعث الذى أنكروه بذكر بابه وهو الموت ، وبذكر النفخ ﴿ سَكرةُ الموتِ ﴾ أى شدته ، شبهت شدته بسكرة العقل ، لأن كلا يصيب العقل بضر ، أو شبه الموت بالخمر لجامع الاصابة ، ورمز اليه بلازمه وهو السكر ، والاضافة للجنس أى سكراته بالجمع كما قرأ به ابن مسعود ، وكما روت عائشة رضى الله عنهما أنه كانت بين يدى رسول الله A ركوة ، أو علبة يدخل يديه فيها ، ويمسح وجهه بهما ويقول : « لا إله إلا الله ان للموت سكرات » رواه البخارى وغيره ، وعن عائشة : يدخل يده فى قدح ويمسح وجهه بالماء ثم يقول : « اللهم أعنى على سكرات الموت » .

﴿ بالحقِّ ﴾ الباء للتعدية أى أجاءته أى صيرته جائيا كقوله تعالى : ﴿ فأجاءها المخاض الى جذع النخلة ﴾ والمعنى أحضرت سكرة الموت الحق الذى نطق به القرآن ، أو الحق الذى هو السعادة والشقاوة ، أو الأمر الذى هو لا بد منه وهو الموت والحساب والجزاء ، أو الباء للملابسة أى مقترنة بالحكمة والغاية الجميلة ، أو بحقيقة الأمر ، والماضى هذا ، وقوله : ﴿ ونفخ ﴾ ﴿ وجاءت كل نفس ﴾ لتحقق لوقوع ﴿ ذلك ﴾ الحق أو الموت ﴿ ما كُنْت منْه تَحيدُ ﴾ الخطاب فى المواضع الثلاثة للفاجر ، ولا يصح أنه لانسان فاجرا أو برا وأن الاشارة للموت ، لأن الكلام فى الكفار ، وأما قوله تعالى : ﴿ ولقد خلقنا الانسان ﴾ فلاثنبات العلم بجزئيات أحوال الانسان ، وتضمن شبه الوعيد ، والتخلص والخروج الى بيان أحواله فى الآخرة ، وكذا ناسب : ﴿ لقد كنت فى غفلة ﴾ يناسب خطاب الكفرة فى تلك المواضع الثلاثة ، وبه قال صالح بن كيسان ، وقال الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس : الإشارة للموت ، والخطاب للانسان برا أو فاجرا ، ومعى تحيد تميل وتنفر عن الموت ، والنفرة عن الموت تعم أفراد الانسان ، قيل : والظاهر أن قوله : ﴿ وجاءت سكرة الموت ﴾ متعلق بقوله تعالى : ﴿ لقد خلقنا الانسان ﴾ الخ لا بقوله : ﴿ بل هم فى لبس من خلق جديد ﴾ وقوله : ﴿ كذبت قبلهم ﴾ فالمناسب أن المشار اليه الحق ، والخطاب للفاجر والبار لقوله تعالى : ﴿ وجاءت كل نفس ﴾ الخ وتفصيله ب ﴿ ألقيا فى جهنم ﴾ ﴿ وأزلفت الجنة ﴾ قلنا : هذا العموم أولى ، كما روى أنه مات الوليد بن المغيرة ، قالت أم سلمة : يا عين فابك للوليد بن الوليد بن المغيرة ، فقال A : « لا تقولى ذلك ، وقولى جاءت سكرة » الخ ولما حضرت الوفاة أبا بكر تمثلت عائشة رضى الله عنها بقول شاعر :

اعاذل ما يغنى الثراء عن الفتى … إذا حشرجت يوماً وضاق به الصدر

٤٬٧٥٩ / ٦٬٠٩٣