تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

27

الجزء ١٠ · صفحة ٢٦٨

﴿ قالَ قَرينُه ﴾ شيطانه المقرون للاغواء ﴿ ربنا ما أطغَيتُه ﴾ ما حلمته على الطغيان بالاجبار ، وهذا الكلام يستدعى أن الكافر اشتكى الى الله D بأن قرينه أضله ، وطمع أن يكون له عذر ، أو يعذب قرينه بدله ، أو يخفف عنه العذاب ، أو يكون تحته فى النار أو نحو ذلك ، أو القرين كل من قرن به ويغويه من الإنس والجن ، وعن ابن عباس : القرين الملك ، يقول الكافر : ان الملك زاد علىَّ من السيئات ما لم أفعله ، فيكون معنى ﴿ ما أطغيته ﴾ ما زدت عليه ما يكون به طاغيا .

﴿ ولكن كان فى ضلالٍ ﴾ باختياره لا بإجبار كما قال : ﴿ وما كان لى عليكم من سلطان ﴾ إلخ ﴿ بعيدٍ ﴾ راسخ شديد من جهة نفسه حتى أثر فيه أدنى وسواس ، فذلك هو البعد ، وقيل : بعيد عن الحق لم يقرب منه ، وكأنه قيل : فما قال الله D؟ فقال D :

﴿ قال ﴾ الله D ﴿ لا تَخْتصمُوا الدىَّ ﴾ أى عندى فى موقف الحساب ، وليس ينفعكم اختصامكم ، والحال أنى قد أنذرتكم وبينت لكم فى الدنيا ما قال : ﴿ وقَد قَدَّمت إليْكُم بالوعيدِ ﴾ فى كتبى ، وعلى ألسنة رسلى افعلوا كذا ، ولا تفعلوا كذا ، أو أنه من عصانى أعذبه ، وجاءكم أنى قلت لابليس : ﴿ لأملأن جهنم منك وممن تبعك ﴾ والباء صلة ، والوعيد مفعول به ، أو قدمت بمعنى تقدمت ، فالباء على أصلها ، ولا يصلح أن يكون قوله تعالى :

﴿ ما يُبدَّلُ القَولُ لَدىَّ ﴾ مفعول به لقدَّمت إلا على أن المراد هذا اللفظ الذى هو : ﴿ ما يبدل ﴾ الخ وتقدير أنه ما يبدل ، أو تضمين قدمت معنى قلت ، والأصل خلاف ذلك كله ، فهو مستأنف فى مجموع ما انسحب عليه قوله : قال ولدى متعلق بيبدل ، ولا حاجة الى تعليقه بالقول ، والقول هو قوله D : ﴿ لأملأن جهنَّم ﴾ أو الوعيد مطلقا ، أو قوله يوم خلق العباد ، هذا سعيد وهذا شقى ، أو قوله : ﴿ ألقينا فى جهنم ﴾ أو مطلق الوعد والوعيد ، والمراد لا أبدل القول ، ولا يبدله غيرى لا طاقة لأحد أن يبدل ما قلت .

﴿ وما أنا بظلام للعَبِيد ﴾ إنما أجازكم بأعمالكم ، وقد فعلتموها باختياركم لا باجبارى ، ولو أجبرتكم عليها ، وعاقبتكم عليها ، لكنت طالما لكم ، وقوله :

﴿ يوم نَقُول لجهنَّم هَل امْتَلأت وتَقُول هَلْ مِنْ مَزيدٍ ﴾ متعلق بظلام ، أو بيبدل ، أو مفعول به لا ذكر أو لأنذر لأنه كما يقال أنذرهم بكذا ، يقال : أنذرهم كذا ، وقوله : « لجهنم » ايحاء اليها بملك أو بخلق كلام حيث شاء ، وقولها هو نطق باذن الله يخلق فيها عقلا ونطقا ، وقد تعبدنا باتباع الظواهر كما فى قول جهنم ما لم يمنع مانع ، كما فى قول الله ، فانه منزه عن التلفظ ، ومن تمييز النار وعقلها ، وتميز الجنة وعقلها تحتاجهما تقول النار مفتخرة : انه وضع فيها المتكبرون ، وتقول الجنة : مالى لا يدخلنى الا الضعفاء؟ فيقول الله D للنار : أنت عذابى ، وللجنة : أنت رحمتى ، ولعل الحديث موضوع ، وكيف تفتخر النار بالعصاة ، وكيف يهون على الجنة من يدخلها ، وان لم يكن موضوعا فالمراد التمثيل والبيان ، فلا نطق ولا محاجر ، ولا حاجة إلى قول بعض يوم نقول لخزنة جهنَّم هل امتلأت جهنم ، تقول هى اى خزنتها : هل من مزيد ، ومن صلة لتاكيد العموم ، ومزيد مبتدأ خبره محذوف ، أى عندك أولى ، سواء جعلناه مصدرا ميميّاً بمعنى الزيادة ، أو اسم مفعول أى مزيود ، ثقلت الضمة على الياء فحذفت وقلبت الواو يا لكسر محدث قبلها ، وحذفت الياء الأولى أو الثانية للساكن .

٤٬٧٦٨ / ٦٬٠٩٣