145
الجزء ١ · صفحة ٤٩٧﴿ وَمَا كَانَ ﴾ ما صح أو ثبت ﴿ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إلاّ بِإذْنِ اللهِ ﴾ لملك الموت فى توفيها ، فالإذن على حقيقته ، وهو أن يؤمر بفعل ما صلبت أو التخلية بينها وبينه أو إلا بمشيئة الله ، لا يؤخرها عن أجلها ترك القتال ولا يقدمها عنه القتال إطلاقا للمسبب على السبب ، لأن الإذن مسبب عن المشيئة ، أو مستعار للمشيئة فى التيسير ، وإذا كان أجلها فى القتال لم نجد تأخيراً عنه ، فالمقتول مات لأجله ، لا كما قالت المعتزلة ، إنه مات لغير أجله ، وأنه لو لم يقتل لعاش إلى أجل أو فى وقت القتل قولان فاسدان ، وهذا من الأصول التى ينقطع فيها العذر فنكفرهم بقولهم تكفير نفاق لا شرك ، وذلك أن الله تعالى لا يخلف الوعد ولا الوعيد ، ولا يتجدد علمه فيبدو له ما لم يعلم ، جاشاه أن يخفى عنه شىء ولا ينسى ولا يعجز ولا يغلبه شىء عن الأجل الموعود له ، وإذا وقع خلاف ما قضى انقلب العلم جهلا واللوح المحفوظ كذبا ﴿ كِتَاباً مُؤَجَّلاَ ﴾ كتب الله الموت كتاباً مؤقتاً مبرما ، لا يتقدم بقتال كما لا يتأخر بتحرز ، وذلك كله تحريض على الجهاد ، ووعد بالحياة ، وهو مؤكد لمضمون قوله : وما كان لنفس الخ . ﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا ﴾ معرضاً عن ثواب الآخرة ، أو مريداً لثواب الآخرة أيضاً ، إرادة ضعيفة لم تصدقه أقولاه ﴿ نُؤْتِهِ مِنهَا ﴾ من ثوابها إن شئنا ، ولا ثواب له فى الآخرة ولا نؤتيه إلا ما قسم له ، من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الأَخِرَةِ ﴾ وحدعه ، أو مع ثواب الدنيا ، غير آكل بدينه ولا قاصداً إياه ﴿ نُؤْتِهِ مِنْهَا ﴾ من ثوابها لاستعداده له لما اشتد الحرب قال A : « من يضرب بهذا السيف حتى ينحنى؟ » فأخذه أبو دجانة ، سماك ابن خرشة الأنصارى فضرب به حتى انحنى ، فلا يلقى أحداً إلا قتله به ، وقاتل على قتالا شديداً ، ورمى سعد بن أبى وقاص حتى اندق قوسه ، ونثل له رسول الله A كنانته ، ويقل له : « أرم ، فداؤك أبى وأمى » ، وأصيبت يد طلحة ابن عبيد الله ووقعت عين قتادة على وجنته ، فردها A ، وكانت أحسن مما كانت ولا ترمد ﴿ وَسَنَجْزِى الشَّاكِرِينَ ﴾ الله بالثبات فى أمر الدين ، ومنه القتال والثبات يوم أُحد ، ما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر أو ملك ، وذلك تعريض بمن أكبوا على الغنائم حبا للدنيا ، وتركوا المركز حتى قتلوا من ورائهم .