159
الجزء ٢ · صفحة ١٠﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ ﴾ ما صلة للتأكيد ، وكذا فيما تقضهم ، وعما قليل ، وجند ما هنالك ، وعما خطاياهم ، ومما خطيئاتهم ، أو بمعنى شىء ، أو خصلة ، سهلت ، بتحمل آذاهم ، ومخالفتهم إياك يوم أحد إذ تركوا المركز الذى تركه أدى إلى قتل مسلمين كثيرين ، وأفراح العدو بالقتل والأسر ولم تنعقهم ولم تحقد عليهم بذلكمع عظم موقعه فى الدين ، ومع مقتضى جهلة البشر من الحقد والعقاب وسكنوا إليك لذلك ، وهو ضد أخلاق الفظ الغليظ ، كما قال الله جل وعلا ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظَّا ﴾ سيىء الخلق ﴿ غَلِيظَ القَلْبِ ﴾ قاسيه ، فظظت وأغلظت عليهم ، وقيل : فظ القول غليظ القلب فى الفعل ، وقيل : الفظ فى القول والفعل ظاهر ، أو غلظ القلب سوء الباطن ، وجاء الخبر ، غن أبعد القلوب عن الله القلوب القاسية ﴿ لاَنفَضُّوا ﴾ تفرقوا ﴿ مِنْ حَوْلِكَ ﴾ والله سبحانه وتعالى يأمر باللين للسلامة معه من الظلم ، ولجلب الناس إلى دين الله ولإبقائهم عليه ، ولو لم يلن ، وإذا أفضى الله تعالى : جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ، وقال : فَشرِّد بهم مَن خَلْقهم ، وقال : لا تأخذكم بهما رأفة ، وقال : أشداء على الكفار ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ ﴾ فعلوه من ترك المركز ومن انهزامهم وإلحاحهم قبل ذلك الخروج إلى أحد وغير ذلك مما هو من حقوقك ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ فيما لك وفيما لله ﴿ وَشَوِرْهُمْ فِى الأَمْرِ ﴾ الحرب وغيرها من أمور الدنيا والدين ، إلا أن المشاورة فيه إنما هى فى طريق إمضائه بأى وجه ، وأما إمضاؤه فواجب لا مشاورة فيه ، وحكمة المشاورة الاستعانة برأيهم وترك رأيه إلى رأيهم ، إذ ظهر له الصلاح فى الترك ، وظهور نصح من بنصحه ، ومعرفة مقادير عقولهم وأفهامهم ، وتطييب نفوسهم وجلبهم وإذهاب اضعافهم ، وأنه يشق على سادات العرب ألا يشاوروا ، وأن تقتدى الأمة به فى الشورى فيظفروا بالرأى الصالح قال A لأبى بكر وعمر : لو اجتمعتما فى مشورة لم أخالفكمما ، رواه أحمد عن عبد الرحمن بن غنيم ، وأخرج الطبرى عن قتادة؛ أن الله تعالى أمر نبيه A أن يشاور أصحابه فى الأمور ، وهو يأتيه الوحى من السماء لأنه أطيب لنفوس القوم ، وليكون سنة بعده ، ولا يشاورهم في أوحى إليه إلا على بيان طريق إنفاذه ، وروى ابن عدى والبهقى أنه قال A لما نزلت الآية ، أما إن الله ورسوله لغنيان عن الشورى ، ولكن جعلها الله تعالى رحمة لأمتى ، وفى البخارى قرأ ابن عباس ، وشاورهم فى بعض الأمر ، وليست الآية أن يشاورهم مطلقا أو كلهم ، بل من يتأهل لها بالتدبير ، روى الحاكم والبيهقى عن ابن عباس أنها نزلت فى أبى بكر وعمر ، أى ويحكم لثلهما بحكمها ، وأل فى الأمر للحقيقة لا للاستغراق ولا للعبد ﴿ فَإذَا عَزَمْتَ ﴾ ثبت على العزم ، بأن كان الأمر دينيَّا لا يحتاج إلى تفكر يؤدى إلى إمضائه ، أو جزم الله طريقه ، أو دنيويا وعينه أو غير ذلك ، وقد عزمت فيه بعد الشورى على رأيك أو رأيهم ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ﴾ اعتقد أن النفاع الضار هو الله ، ولا تأثير لغيره من أحد أو رأى ، والتوكل لا ينافى الكسب والمشاورة ، فإن الإإنسان يراعى الأسباب ولا يعول عليها ، بل قضاء الله D ، وليس التوكل إهمال النفس عن الأسباب فيما يحتاج إلى الأسباب ، وذلك نص الآية ، إذ جمعت بين المشاورة وهى استخراج الرأى كاستخراج العسل ، وبين التوكل ، وأقوى التوكل ألا تطلب لنفسك ناصراً غير الله ، ولا لرزقك خازناً غيره ، ولا لعملك مشاهداً غيره ، وإذا لم يحتد أمر إلى كسب فالتوكل فيه مجرد عن الكسب ، أو كان مما لا يضر فيه ترك الكسب جاز ترك الكسب فيه ﴿ إنَّ اللهَ يُحِبُّ ﴾ منصر وينفع ويهدى ﴿ المُتَوَكِّلِينَ ﴾ عليه جل وعلا .