تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

143

الجزء ١ · صفحة ٤٩٥

﴿ وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ ﴾ تتمنون لقاء الموت ، أى الحرب ، سماها موتاً لأنها سببب ، أى الموت بالشهادة والخطاب للذين لم يشهدوا بدراً وتمنوا أن يشهدوا مع رسول الله A حرباً لينالوا ما نال شهداء بدر ، وألحوا فى الخروج إلى أحد مع كراهة رسول الله A كما مر ، وليس فى ذلك إعانة أهل الشرك ، لأن القصد نيل الثواب لا غلبتهم ، مع أن موت بعض قليل ليس غلبة ، وقد تمنى عبد الله بن رواحة أن يموت شهيداً ، أو لم ينهه رسول الله A ، وأيضاً كل من تمنى أن يموت شهيداً يحب أن ينصر الله D دينه ويحفظ أهله ﴿ مِنْ قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ ﴾ تشاهدوا شدته ﴿ فَقَدْ رَأَيْتُموهُ ﴾ أى شاهدتم الموت فى أصحابكم ، أو شاهدتم الحرب بسيوفها ورماحها من عدوكم وجبنتم وانهزمتم مع أنكم السبب فى تهييجها ، ولم تصدقوا فى دعواكم ، ولا سيما مجرد تمنى للشهادة ، فإنه لا يجوز لأن فيها غلبة الكفرة ، بل يسأل الإنسان الظفر على العدو ولانجاة لنفع الإسلام بعد ، فإن قتل فشهادة رزقها ، يصبر لها ، فالآية توبيخ لهم عَلَى مَا ذكر ، وعَلَى الإلحاح ، ومقتضى الظاهرن فقد لقيتموه ، لكن ذكر الرؤية تلويحاً بأنهم كمن رآه وها به ولم يدخله ، أو للمبالغة فى أنهم شاهدوه ﴿ وَأنتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ حال مؤكدة لرأيتموه ، مبينة أن الرؤية بصرية ، كقولك رأيته وليس فى عينى علة ، أو الرؤية علمية ، والنظر بصرى ، أو تنظرون محمداً A ، أو تتأملون كيف الحرب ، فالجملة حال مؤسسة ، ولما نودى فى هزيمة أحد ، أن محمداً قد قتل فشل كثير من المسلمين وهربوا ، كما مر وقال المنافقون ، بعض لبعض : إن قتل محمد فارجعوا إلى دينكم فرجع بعض ، وفى ذلك نزل قوله تعالى ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إلاّ رَسُولٌ ﴾ لا يتجاوز الرسالة إلى الألوهية ، فتترك العبادة لموته ، ولا إلى الحياة أبداً بل يموت كما مات الرسل بقتل أو بغيره ، كما قال ﴿ قَدْ خَلَتْ ﴾ مضت بالموت ﴿ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾ وذلك قصر إفراد ، وله وجه آخر ، هو كأنهم اعتقدوا له الرسالة والبعد عن الموت ، فقصر عَلَى الرسالة ، فيكون قد خلت مستأنفاً ، ولا يلزم من قوع الجملة بعد النكرة أن تكون نعتاً لها ، وأيضاً يجوز أن تكون نعتاً لرسول مؤكداً؛ لأن انتفاء الموت معلوم من حصره على الرسالة ، أو قصر قلب إذ توهموا أنه لا يجب البقاء على دينه بعد موته ، وهذا القصر منصب على النعت ، وهو قد خلت ، أما المنقافقون فقالوا ، لو كان رسولا لم يمت ألبتة ، أو لم يمت بالقتل ، وكلاهما توهم بعيد وأما ضعفاء المسلمين فضعفت قلوبهم بموته وكأنهم استبعدوا موته فى الوقعة ، ولما قيل بموته فت فى عضدهم ، والآية فيهم لا فى المنافقين لقوله : « فإن مات .

٤٩٥ / ٦٬٠٩٣