179
الجزء ٢ · صفحة ٢٩﴿ مَّا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ ﴾ يبرك ﴿ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ ﴾ لام الجحود زائدة لتأكيد النفى أى ما كان شأن الله ترك المؤمنين ، أو ما كان الله ذا ترك للمؤمنين ، أو تاركا ، أو للتقوية ، أى ما كان الله مريداً لتركهم على ما أنتم عليه من القياس المنافق المخلص ، وجريان أحكام الإيمان عليه ، وزعم الكوفيون أنها زائدة ناصبة للمضارع ، ولا تقدر أن ولا المصدر ولا حذف ، والجملة خبر كان ، والخطاب كما رأيت للمؤمنين والمنافقين والمرتابين ، وقيل للمؤمنين ، وقيل للمنافقين والمرتابين ، وفى الآية تسلية لرسول الله A والمؤمنين ووعد لهم ، ووعيد لغيرهم ﴿ حََّى يَمِيزَ الخَبِيثَ ﴾ المنافق لخبثه اعتقاداً وفعلا ﴿ مِنَ الطَّيِبّاتِ ﴾ المخلص اعتقاداً وفعلا وقولا ، ومعنى الغاية أن الله تعالى يفعل التخليص بينهم حتى يتبين لكم ، وذلك التمييز إنما هو بعدم تحمل المشاق وبذل الأموال فى سبيل الله ، وبرجوعهم عن أحد وإبائهم من الخروج إلى قتال أبى سفيان حين رجع من أحد ومن الخروج قابلا إلى بدر الصغرى ، وما ينفلت أحياناً منهم من كلمات الكفر وترك الفرائض ، وقولهم ، لو كان رسولا لم تصبه هذه المكارة ، ونحو ذلك ، لا بأن يقول فلان من أهل الجنة وفلان منافق من أهل النار ، فإنما هو للأنبياء لا للعامة كما قال الله جل وعلا ﴿ وَمَا كَانَ اللهُ ليُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ ﴾ أن فلانا وفلانا منافقون ويخبر الله نبيه بهذا كغيره من الغيب ، فيسره فى حذيفة رضى الله عنه كماقال ﴿ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِى ﴾ يختار ﴿ مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ كما اجتبى رسول الله A ، فأخبره بهم بأعيانهم لا بوصفهم فقط ، وروى أن الكفار قالوا : إن كان محمد صادقا فليخبرنا من يؤمن منا ومن يكفر ، وقال A : « عرضتْ علىَّ أمتى وأعلمتُ من يؤمن بى ومن يكفر ، كما عرضت على آدم ذريته » ، فقال المنافقون : إنه يزعم أنه ييعرف من يؤمن ومن يكفر ، ونحن معه ولا يعرفنا ، فنزل وما كان الله ليطلعكم على الغيب ، ولكن الله يجتبى من رسله من يشاء ، وقيل قالت قريش يزعم محمد أنه يعلم من يؤمن ويكون فى رضى الله فى الجنة ومن يكون بعكس ذلك فليخبرنا بهم ، فنزلت ، فلت : لعلها نزلت فى ذلك كله ﴿ فَأمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ﴾ بإخلاص وجزم ، ولا تتوقفوا إلى أن يعلم الغيب ، فإنه ليس يعلم كل غيب ، وقد أعلمه من يؤمن ومن يكفر ، وبأن تعلموا أنه لا يعرف الغيب إلا من عرفه الله إياه ، واجتباه لذلك من الأنبياء ﴿ وَإن تُؤْمِنُوا ﴾ إيماناً خالصاً ﴿ وَتَتَّقُوا ﴾ ما فيكم من الكفر والعقاق ، والخطاب فى المواضع الثلاثة يقوى أن الخطاب فى قوله D : ما أنتم عليه للمنافقين والمرتابين ﴿ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ لا يعلم قدره إلا الله .