تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

198

الجزء ٢ · صفحة ٤٦

﴿ لَكِنِ ﴾ استدراك لرفع ما يوهم أن التجارة مطلقاً توجب جهنم ، فأخبر أن للمؤمنين الجنة ، ولو اتجروا ، وبأن جوعهم وبؤسهم إنما هو لكسب ما هو أعظم من نعم الدنيا وهو الجنة ، وعلماء المعانى يقولون لكن لقصر القلب ، ورد اعتقاء المخاطب أن المؤمنين البائسين فى خسران عظيم لا دنيا لهم ولا جنة لكفرهم بالجنة ﴿ الَّذِينَ اتَقُّوا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَألِدِينَ ﴾ يدخلونها يوم لاقيامة مقدرين الخلود ﴿ فِيهَا ﴾ وأما من الآن فلا يوقنون أنهم من أهلها لخوف لاخاتمة فى حق كل واحد ممن لهم يجىء فيه الوحى ، ويجوز إثبات التقدير للخلود بلا حذف على رسم فرض السعادة أى تثبت لهم ، ألا لأهل صفتهم ، ناوين أنهم يخلدون فيها إن كانوا من أهله ﴿ نُزُلاً ﴾ حال من المستتر فى لهم ، العائد إلى جنات ، شبهها بما يُعدّ للنازل من طعام وشراب وصلة ، فلا تزال تزداد خيراً بلا نهاية بعد ذلك ، كما يحتفل للنازل بعد ينزل عليه فجأة كل يوم فى الجنة خي مماقبله أبدا ، ومعناه معد ومهيأ على عجل ، ولا يصح أنه حال من جنات ، لأن جنات مبتدأ ، والحال لا يصح قيداً للابتداء الذى هو العامل ، ويجوز أن يكون حالا من ضمير جنات المستتر فى لهم ، أى ذات نُزُل أو هو جمع نازل على غير قياس ، حال من المستتر فى خالجين ، أو يقدر أنزلوها نزلا من عند الله ، أى نزولا على أنه مفول مطلق ﴿ مِّنْ عِندَ اللهِ ﴾ وما بالك بشىء من الله قابل به وليه مضاد به عدوه ﴿ وَمَا عِندَ اللهِ ﴾ من ثواب الجنة لكثرته وعظمه وهنائه ودوامه ﴿ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ ﴾ مما للكفار من متاع الدنيا لقلته وحقارته وتنغصه وفنائه ، أظهر اسمهم بلفظ الأبرار إشعاراً بأن أعمالهم تقوى وبر ، ونها سبب الثواب ، روى ابن عباس : أنه مات النجاشى ، وملك الحبشة ، فأخبر جبريل عليه لاسلام النبى A بموته فى يومه ، فقال للصحابه ، اخرجوا ، صلوا على أخ لكم بأرض الحبشة مات ، وكشف له عن سريره ، وكبر عيه أربعاً واستغفر له ، فقال المنافقون إنه صلى على حبشى نصرانى لم يره قط ، وليس على دينه فنزل قوله تعالى :

﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِ ، ُ بِاللهِ ﴾ كالنجاشى المذكور بكسر النون وفتحها وإسكان الياء وشدها لغتان ، وقيل الشد غلط ، لأنه ليس نسبا وشد الجيم غلط لا غير ، واسمه أصحمة بفتح الهمزة وإسكان الصاد وفتح الحاء ، والتاء زائدة من العربية أى عطية الله ، وقيل عطي الضم ، والحبشة يقولونه بالخاء المعجمة ، ولاقول بأن اسمه مكحول بنصعصعة خطأ ، لأن هذا اللفظ عربى وأسلم قبل الفتح ، ومات أيضاً قبله فى رجب عام تسعة ، وكعبد الله بن سلام من اليهود وأربعين من نصارى نجران نم بنى الحارث بن كعب ، وهم من العرب ، واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم على دين عيسى آمنوا برسول الله A والصلاة عليه حجة للصلاة على الغائب ، لأن ولو كشف له A لم يكشف للصحابة ، وقالت الحنفية إنه لا يصلى على غائب ، وأن ذلك مخصوص بالنبى A مع النجاشى تكريماً له ، ألا ترى أنه لم يصل على غيره من الغائبين ﴿ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ ﴾ من القرآن وغيره ﴿ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ ﴾ نم التوراة والإنجيل وغير ذلك ، قدم ما انزل إلينا مع تأخره عما أنزل إليهم لأنه المعيار ، لا عبرة بإيمانهم إن لم يوافقوه ، ولأن ما أنزل إليهم قد نسخ بعضه بالقرآن وقد حرفوه ، فإنما يعتبر ما صححه القرآن ولتعجيل مسرة المؤمنين ، بذكر ما أنزل إليهم ﴿ خَاشِعِينَ لِلهِ ﴾ خاشعين حال من ضمير يؤمن ، مراعاة لمعناه ، وهو الجمع ومن هاء إليهم ، والخشوع بعد النزول ، والخشوع الخضوع ، أو لاخوف والتذلل أو الخوف اللازم للقلب ، قيل تحرز به عن إيمان المنافقين ، لأنه لخوف القتل لا لله ، ويبحث بأنه لا يشمل الإيمان ﴿ لاَ يَشْتَرُونَ بِأيآتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ من الدنيا خوفاً من زوال الرياسة إن لم يكتموا ، ووصف القلة لأن ما أخذوه بدلا من دين اله قليل ولو الدنيا كلها ، وتعريضاً بخستهم إذ باعوا الدائم الكثير الذى فى غاية الجودة بما هوعكس ذلك ﴿ أَوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ مرتين بما صبروا ، يؤتكم كفلين من رحمته ﴿ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ سَرِيعُ الحِسَابِ ﴾ يحاسب فى لحظة ، أو فى يوم ، وهو قادر على أقل ، فلزم من ذلك سرعة وصول الثواب إليهم إذا وضع الحساب .

٥٤٦ / ٦٬٠٩٣