180
الجزء ٢ · صفحة ٣١« من كتم علماً آتاه الله إياه ألجمه بلجام من نار » ، ويروى ، « إلا مثلِّ له يوم القيامة شجاعاً أقرع يفر عنه وهو يتبعه حتى يطوقه فى عنقه » ، وفى رواية « يجعل ما بخل به من الزكاة حية يطوقها يوم القيامة ، تنهشه من قرنه إلى قدميه وتنقر رأسه ، وتقول : أنا مالك ، والزبيبة نكتة فوق عينيه أو جانب فيه أو وبد شدة وغضب فى جانب شفتيه » ، والأقرع زائل الشعر ، وهو هنا من شدة السم وبسط ذلك فى تفسير الحديث والفروع ، وليس فى ذكر ذلك فى الحديث ما يحصر الطوق فى ذلك بل الحديث ذكر لبعض ما تضمنته الآية ، من لزوم الوبال على العموم ، بحيث يعم التطويق المذكور فى الحديث ، والتطويق بالنار وغير ذلك وغير الزكاة أيضاً ﴿ وَلِلهِ مِيراثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ ذواتهما مع ما فيهما ، ويفنى الملاك ، ولا يبقى مالك إلا الله ، والميراث الإرث ، أو المراد ما يتوارث أهلها من امال وعز ، وإمارة وصحة ، وسائر ما ينتقل كالأحوال قى مراتب الملائكة والإرسالات ، ولا مانع من أن يكون لأهل المسوات أحوال كما سقطت منزلة هاروت وماروت فيما قيل ، وملك سقط ريشه لعقاب فشفع فيه نبى ، شبه بقاء السموات والأرض وما فيهما لله بعد فناء أهلهما بالإرث ، إلا أن الله جل وعلا ملكهما قبل فناء أهلهما وبعده ، وإذا كان ذلك فكيف تبخلون بما ينزع عنكم بموت كل واحد لأجله ، وبموت الخلق كلهم وتبقى عليكم حسرته والعقاب عليه ﴿ واللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ من منع مطلقاً ، أو عن أهله ، وإعطاء لغير أهله أو بلا قصد تقرب إلى الله ﴿ خَيرٌ ﴾ فيجازيكم ، ولما نزل قوله تعالى : ﴿ من ذا الذى يقرض الله قرضاً حسناً ﴾ وكتب A مع أبى بكر الصديق رضى الله عنه إلى يهود بنى قينقاع ، يدعوهم إلى الإسلام ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً ، وقال فنحاص بن عازوراء من علماء اليهود ، لذلك إن الله فقير حتى استقرض ، ولطمه أبو بكر بقوله وقال : لولا العهد بيننا وبينكم لضربت عنقط ، وشكاه إلى رسول الله A وجحد فنزل قوله تعالى : ﴿ لَقَدْ سَمِعَ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ ﴾ تصديقاً للصديق ، إنشاء اليمين بحسب قصد المتكلم ، وإما الإخبار بواقعة ، فأما باللفظ الذى لفظ به ، ومنه ليبينه للناس ، وإما بالغيبة تخبر عن شىء كان ، نحو استحلفته ليقومن ، وإما بلفظ التكلم نحو استحلفته لأقومن ، وروى أن أبا بكر رضى الله عنه ، دخل مدارس اليهود ، فوجد ناساً كثيراً من اليهود ، فقال : يا فنحاص ، اتق الله وأسلم ، فو الله لتعلم أن محمداً رسول الله A ، قد جاءكم بالحق من الله ، تجدونه مكتوباً عندكم فى التوراة ، فآمن ، وصدق ، وأقرض الله قرضاً حسناً يدخلك الجنة ويضاعف لك الثواب ، فقال يا أبا بكر : تزعم أن ربنا يستقرض من أموالنا على أن يعطى قرضه إيانا مع الفضل والربا ، فغضب أبو بكر رضى الله عنه ، وضرب وجهه ضربة شديدة فشكا إليه A ، فقال : ما حملك يا أبا بكر على هذا قال إنه قال كذا وكذا ، وجحد فنحاص ، فنزل لقد سمع الله الخ ، ونزل فى أبى بكر وضربه لفنحاص ، ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب الخ ، يعنى أن محمداً غير صارق فى ذلك ، فهو غير نبى ، لأن الله لا يفتقر ولا يحتاج ولا يفعل الربا وهو حرام ، وليس ذلك احتياجا من الله تعالى ، ولا ربا ، وبل جزاء من الجنة على العمل ، أو قال ذلك ، لعنه الله ، عبثا وعناداً واستهزاء ﴿ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا ﴾ نأمر الملائكة تكتبه فى ديون الناس كلهم ، بعد ما كتبوه ، لكل قائل فى ديوانه الخاص ، أو نأمرهم فينسخونه من اللوح المحفوظ على طبق ما كتبوه أولا ، أو تزيد له حفظا أو نجازيهم عليه ، فظهر الاستقبال ﴿ وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَآءِ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ رضاهم بقتل آبائهم الأنبياء ، عارفين أنه غير حق ، وفجرهم بهم ، أنزل هذا مع قولهم وكتابته إشارة إلى أنه من عادتهم الفجور ، وأنه ليس قولهم بأول جرم ، وكيف لا يقوله من اجترأ على قتل الأنبياء ، وقد علم أنه غير حق ﴿ وَنَقُولُ ﴾ تهكما بهم وستهزاء وإهانة وتحقيرا ، تقول ملائكتنا يوم القيامة أو الإسناد مجاز عقلى لأن الله يأمر الملائكة بالقول ﴿ ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ ﴾ الذوق إدراك وصف الطعام أو الشراب ، وتوسع فيه باستعماله فى إدراك الحال مطلقا ، وإشارة إلى أن ما يصيبهم من العذاب أولا كالذوق بالنسبة إلى ما يتجدد به منه ، والحريق الاحتراق أو الجسم المحرق ، وهو النار ، على أن الحريق بمعنى الإحراق أو متعمد أو هو ذو حريق أى يحصل به الاحتراق ويقال لهم بعد دخولها .