(الحمد للهِ رَبِّ العالمِينَ)
الجزء ١ · صفحة ٢٤٢(الحمد للهِ رَبِّ العالمِينَ)
(الحمد للهِ رَبِّ العالمِينَ) الحمد والمدح ينتظمهما الاشتقاق الكبير وهو اتحاد الحروف مع اختلاف ترتيبها فالحاء والميم والدال الموجودة في الحمد هي نفسها حروف "المدح" ولكن بترتيب آخر والزمخشري يقول بتآخيهما، واختلف الذين عنوا بشرح كلامه هل قصده بالتآخي: اتحاد معناهما أو اتحاد حروفهما مع ما ينتظم الكلمات المتنوعة التي تلتقي بالاشتقاق من معنى لطيف قد يظهر مع التأمل الخاطف وقد يخفى إلا مع التأمل الطويل؟ فالحمد والمدح كالجذب والجبذ في اتحاد الحروف، ووجود معنى يجمع بينهما والذين فرقوا بين الحمد والمدح راعوا أن الحمد يكون على الأمور التي للمحمود اختيار فيها، بخلاف المدح، فقد يكون في الأمور الطبيعية كمدح الوجه بالحسن والقامة بالاعتدال والدرة بالصفاء ولا يسمى شيء من ذلك حمدا، وعرفوا الحمد أنه الثناء باللسان على الجميل وقيده بعضهم بكونه اختياريا ومنهم من زاد على ذلك سواء تعلق بالفضائل أم بالفواضل على أن بعض العلماء يرى أن المدح أيضا لا يكون إلا في الأمور الاختيارية، وإن ورد على غيرها عد من باب المجاز، وتقييد الثناء بكونه على الجميل يخرج الذم فإن الثناء قد يصدق عليه في نحو قولهم (أثنى عليه شرا) وتقييد الجميل بكونه اختياريا يخرج المحاسن الاضطرارية كالتي أشرنا إليها وهي التي تمدح- على رأي بعض- ولا تحمد وقول بعضهم سواء تعلق بالفضائل أم بالفواضل يقتضي دخول الصفات التي تكون ذات أثر في الغير فيما يحمد عليه فإن الفضائل جمع فضيلة وهي صفة تقوم بنفس الموصوف لا تتعداه إلى غيره، والفواضل جمع فاضلة وهي ما ينتقل أثره إلى الغير، فسجية الكرم فضيلة والكرم طبيعة قائمة بنفس الكريم لا تنتقل عنه وإنما ينتقل عنه أثرها وهو الإحسان إلى الغير ويعبر عنه بالفاضلة والشجاعة طبيعة في نفس الشجاع لا تتعداه إلى غيره وإنما