(إيَّاك نعْبُدُ وإيَّاك نستعينُ)
الجزء ١ · صفحة ٢٧٢(إيَّاك نعْبُدُ وإيَّاك نستعينُ)
(إيَّاك نعْبُدُ وإيَّاك نستعينُ) في هذه الآية الكريمة يعلم الله عباده أن يفردوه بالعبادة وبالاستعانة وهذه ثمرة التوحيد وجوهر الإيمان والآيات المتقدمة في السورة جاءت توطئه لها ومقدمة لها فيها فإن الإله الحق الذي هو رب العالمين والمتصف بالرحمة والمالك للأمر في الدنيا والآخرة جدير بأن لا تتجه العبادة إللا غيره وأن لا يتعلق القلب بسواه ويرى الزمخشري أن الآية الكريمة جاءت لتبين الحمد المقصود في قوله تعالى: (الحَمْدُ لِلهِ) ويتقدمها سؤال مقدر تقديره كيف تحمدونه؟ فأجيب: (إيَّاك نعْبُدُ وإيَّاك نستعينُ) وسوغ السيد الجرجاني ذلك لأن السؤال عن كيفية الحمد لا عن ماهيته فصح أن يجاب عنه بالإجابة المشتملة على الحمد وعلى غيره لأن ضم غيره إليه نوع بيان لكيفيته أي حال حمدنا أن نجمعه بسائر عبادات الجوارح والاستعانة في المهمات ونخص مجموعها بك وأورد السيد الجرجاني أيضا أنه صح كون العبادة بيانا للحمد من حيث إن أقصى غاية الخضوع يقتضي اعترافا تاما بالإنعام ووصفا للمنعم بصفات الجلال والإكرام وهذا لأن الحمد اصل العبادة ورأسها كما مر أنه رأس الشكر إذ حقيقة العبادة شكر المنعم الحقيقي أي إظهار الانقياد له بقدر الإمكان غاية ما في الباب أن الجواب يشتمل على زيادة في البيان ورجح السيد الجرجاني أن يكون قوله "إياك نعبد" استئنافا جوابا لسؤال يقتضيه إجراء تلك الصفات العظام على الموصوف بها أزلا وأبدا كأن سائلا يقول: ما شأنكم مع هذا الموصوف؟ وكيف توجهكم إليه؟.
فأجيب بحصر العبادة والاستعانة فيه واعترض الإمام أبو السعود ما يقوله الزمخشري "بأنه مع كونه لا حاجة إليه مما لا صحة له في نفسه فإن السؤال المقدر لابد أن يكون بحيث يقتضيه انتظام الكلام وتنساق إليه الأذهان والأفهام ولا ريب في أن الحامد بعد ما ساق حمده تعالى