(مالك يوْم الدِّين)
الجزء ١ · صفحة ٢٥٨(مالك يوْم الدِّين)
(مالك يوْم الدِّين) في هذه الآية الكريمة تقرير لحقيقة هامة جاء القرآن الكريم ليقررها بكثير من آياته وهي كلية من كليات العقيدة الإسلامية الصحيحة وضرورة من ضرورات الفكر الإنساني الذي تصدر عنه التصرفات والأعمال وتقوم على أساسه حياة الإنسان فإن الإيمان باليوم الآخر ليس هو من الأمور الهامشية التي لا صلة لها بعمق الفكر ولا أثر لها في واقع الحياة ولكنه ركيزة أساسية في بناء الحياة الفكرية والعملية ولذلك نجد الإيمان به يأتي رديف الإيمان بالله في الذكر سواء في آيات الكتاب أو في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم خصوصا عندما يستدعي الحال تأكيد أمر أو نهي فكثيرا ما يأتي في القرآن(لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) أو ما يفيد مفاد هذا التعبير في حال التأكيد كما أنا نسمع كثيرا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر…فليفعل كذا) أو (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يفعل كذا) وفي ذلك ما يكفي برهانا أن الإيمان باليوم الأخر كالإيمان بالله في عمق أثرهما في سلوك الإنسان وقوة تأثيرهما في توجيه ميوله ورغباته وضبط غرائزه ونزعاته وهذا لأن الإيمان بالله يعني الإيمان بالمبدأ والإيمان باليوم الآخر يعني الإيمان بالمصير وهل تبقى للإنسان قيمة إن جهل المبدأ والمصير، وماذا عسى أن تكون حالة هذا الإنسان الذي يعيش على هامش الحياة لا يستشعر حقوقا عليه لمبدئه ولا مسئولية يخشى مغبتها في مصيره وإنما يلهو ويمرح ويأكل ويشرب ويسافد ويتناسل شأن البهائم التي لا عقل لها ولا ضمير أما إذا أدرك واستيقن أن له مبدئا أخرجه من العدم واسبغ عليه صنوف النعم وبوأه في الأرض ومكن له فيها فإن إدراكه لذلك يحيي في نفسه شعورا لافتقاره إلى تحري مرضاة هذا المبديء الكريم الخالق العظيم فيدعوه ذلك إلى أن يستمد منه منهج حياته