جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

(مالك يوْم الدِّين)

الجزء ١ · صفحة ٢٥٩

وميزانه الذي يعرف به الخير والشر والنفع والضر ولكنه مع ذلك قد يتعامى عن قصد السبيل لما يتجاذبه من طبائع النفس ويتقاضاه من مطالب الحياة فهو واقع بين العواطف الملتهبة والغرائز الجارفة والمطالب المختلفة والدوافع المتنوعة فلا عجب إذ أنساه ذلك ما يجب عليه تجاه خالقه وتجاه الخلق ولكن إيمانه بالمنقلب الذي يلقى فيه جزاءه يجعله يستعلى على ضرورات حياته ورغبات نفسه ودوافع غرائزه فلا يجعل العواطف أساسا لتعامله مع الناس ولا الغرائز مقياسا للنفع والضر والخير والشر وحياة الإنسان في الأرض حياة محدودة بل حياة وهمية إذ لا يعرف أحدا مقدار بقائه فيها فهو ينتظر فراقها بين لحظة وأخرى فإذا لم يؤمن بحياة أطول يجازى فيها على عمله كان ذلك داعيا إلى التقاعس عن الخير واستغلال ما يمكن من المنافع العاجلة ولو على حساب الآخرين وما الذي يدعوا الإنسان إلى التفاني في البر وهو غير واثق من إسيفاء جزائه في هذه الحياة الدنيا ولا راج حياة أخرى يطمع فيها أن يلقى أجر ما كسب وعدم الإيمان بالمعاد مدعاة للقلق بسبب عدم وثوق الإنسان من التعمير في هذه الدنيا وهبة معمرا فيها فإنه لا بد له من يوم يواجه فيه الموت الكريه فهو يحسب حسابه باستمرار ليوم فنائه الذي يفرق ما جمع ويأتي على ما كسب وما الليل والنهار إلا مطميته الدؤوب التي تسير به إلى ذلك اليوم وهذا يدعوه- مع عدم إعتقاد المعاد- إلى التكاسل عن واجباته الاجتماعية أما إذا وثق بأنه سيعاد كما كان مرة أخرى وسيوفى جزاء عمله فإن وثوقه بذلك سبب لطمأنينة نفسه ونشاطها في العمل.

والمشركون الذين كان القرآن يواجههم كانوا يؤمنون إيمانا جزئيا بالله الخالق العظيم سبحانه وتعالى فالله تعالى يقول عنهم: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) (لقمان/25) ولكنهم فاقدون الإيمان بيوم البعث

٢٤١ / ١٬٢٢٠