جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

(إيَّاك نعْبُدُ وإيَّاك نستعينُ)

الجزء ١ · صفحة ٢٧٦

أما الأستاذ الشيخ محمد عبده فيرى أن العبادة شعور خاص في القلب يستلزم الخضوع المطلق والانقياد التام من العابد للمعبود وفي ذلك يقول:ما هي العبادة؟ يقولون هي الطاعة مع غاية الخضوع وما كل عبارة تمثل المعنى تمام التمثيل وتجليه للأفهام واضحا لا يقبل التأويل فكثيرا ما يفسرون الشيء ببعض لوازمه ويعرفون الحقيقة برسومها بل يكتفون أحيانا بالتعريف اللفظي ويبينون الكلمة بما يقرب من معناها ومن ذلك هذه العبارة التي شرحوا بها معنى العبادة فإن فيها اجمالا وتساهلا وأننا إذا تتبعنا آي القرآن وأساليب اللغة واستعمال العرب لعبد وما يماثلها ويقاربها في المعنى- كخضع وخنع واطال وذل- نجد أنه لا شيء من هذه الألفاظ يضاهي عبد ويحل محلها ويقع موقعها.

ولذلك قالوا: إن لفظ العباد مأخوذ من العبادة فتكثير إضافته إلى الله تعالى ولفظ العبيد تكثر إضافته إلى غير الله تعالى لأنه مأخوذ من العبودية بمعنى الرق وفرق بين العبادة والعبودية بذلك المعنى ومن هنا قال بعض العلماء إن العبادة لا تكون في اللغة إلا لله تعلى ولكن استعمال القرآن يخالفه.

يغلو العاشق في تعظيم معشوقه والخضوع له غلوا كبيرا حتى يفنى هواه في هواه وتذوب إرادته في إرادته ومع ذلك لا يسمى خضوعه هذا عبادة بالحقيقة ويبالغ كثير من الناس في تعظيم الرؤساء والملوك والأمراء فترى من خضوعهم لهم وتحريهم مرضاتهم مالا تراه من المتحنثين القانتين دع سائر العابدين ولم يكن العرب يسمون شيئا من هذا الخضوع عبادة فما هي العبادة إذا؟.

تدل الأساليب الصحيحة والاستعمال العربي الصراح على أن العبادة ضرب من الخضوع بالغ حد النهاية ناشيء عن استشعار القلب عظمة للمعبود لا يعرف منشأها واعتقاده بسلطة له لا يدرك كنهها وماهيتها وقصارى ما يعرف منها أنها محيطة به ولكنها فوق إدراكه فمن ينتهي إلى أقصى الذل

٢٥٨ / ١٬٢٢٠