جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

(إيَّاك نعْبُدُ وإيَّاك نستعينُ)

الجزء ١ · صفحة ٢٨٤

الله عليه وسلم الذي ترتب عليه أن ينال من الإكرام ما لم ينله أحد قبله(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الإسراء/1) وهذا لأن عبادة الإنسان لربه وعبوديته له تعنيان تحرير رقبته من الذل لسواه وتخليص قلبه من الخضوع لغير عزته وقد غلا بعضهم فادعى أن العبودية أشرف من الرسالة حكى ذلك الفخر الرازي في تفسيره ولم يتعرض له بشيء وحاصل ما احتج به هذا القائل أن الرسالة انصراف عن الحق إلى الخلق، والعبودية انصراف عن اخلق إلى الحق، والعبودية أيضا تجرد عن التصرفات والرسالة تلبس بها، وهذه فلسفة باطلة لا يجوز لمن يؤمن بالله ورسله أن يقرها فالرسالة هي أشرف المقامات وأعلى الدرجات التي يوصل إليها بمحض اصطفاء الله تعالى ولا تنافي العبودية ولذلك وصف الله بهما أحب الناس إليه وأرفعهم عنده سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وليست الرسالة- كما قال- انصرافا من الحق إلى الخلق وإنما هي اضطلاع بواجب أمانة الحق لابلاغها إلى الخلق وإذا كانت تقتضي اشتغالا بالتصرفات فإن تلك التصرفات هي من أقرب القربان إلى المرسل سبحانه فهي داخلة في حدود عبادته وأعظم الدلائل على إخلاص العبودية له.

والفخر والألوسي قسما العبادة إلى ثلاث درجات تمشيا مع آراء كثير من العلماء:

الدرجة الأولى: أن تكون العبادة ابتغاء ثواب الله وخشية عقابه وهي أضعف الدرجات وسماها الألوسي في تفسيره عبادة.

الدرجة الثانية: أن تكون لأجل نيل الشرف بما فيها من التزلق إلى الله وهي درجة متوسطة عندهم وسماها الألوسي عبودية.

الدرجة الثالثة: أن تكون لذات الله مع غض النظر عن كل ما سواه وسماها الألوسي عبودة.

وفي هذا التصنيف نظر إذ لا ستند إلى دليل من كتاب ولا سنة وتعظيم الله سبحانه بالعبادة وإخلاصهم لوجهه لا

٢٦٥ / ١٬٢٢٠