جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

(إيَّاك نعْبُدُ وإيَّاك نستعينُ)

الجزء ١ · صفحة ٢٩٠

وأما السيد محمد رشيد رضا فيقول" إن عبادة الله تعالى هي غاية الشكر له في القيام بما يجب لألوهيته واستعانته هي غاية الشكر له في القيام بما يجب لربوبيته أما الأول فظاهر لأنه هو الإله الحق فلا يبعد بحق سواه وأما الثاني فلأنه هو المربي للعباد الذي وهب لهم جميع ما تكمل به تربيتهم الصورية والمعنوية ،قال: ومن هنا تعلم أن إيراد ذكر العبادة والاستعانة بعد ذكر اسم الجلالة الأعظم واسم الرب الأكرم إنما هو لترتبهما عليهما من قبيل ترتيب النشر على اللف والاستعانة بهذا المعنى ترادف التوكل على الله وتحل محله وهو كمال التوحيد والعبادة الخالصة ولذلك جمع القرآن بينهما في مثل قوله تعالى: (وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ) (هود/123) فهذه الاستعانة هي ثمرة التوحيد واختصاص الله تعالى بالعبادة فإن من معنى العبادة الشعور بأن السلطة الغيبية التي هي وراء الأسباب العامة الموهوبة من الله تعالى لعباده كافة هي الله وحده، كما تنطق به الآية التي استشهدنا بها آنفا على قرن العبادة بالتوكل فمن كان موحدا خالصا لا يستعين بغير الله تعالى قط فما كان من أنواع المعونة داخلا في حلقات سلسلة الأسباب كان طلبه بسببه طلبا من الله تعالى ولكنه يحتاج في تحقيق ذلك إلى قصد وملاحظة وشهود قلبى وما كان غير داخل فيها يتوجه في طلبه إلى الله تعالى بلا واسطة ولا حجاب.

قال: وبهذا البيان تعلم أنه لا منافاة بين التوحيد والتوكل وبين الأخذ بالأسباب وإقامة سنن الله تعالى بل الكمال والأدب في الجمع بينهما فالسيد المالك إذا نصب لعبيده وخدمه مائدة يأكلون منها غدوا وعشيا وجعلهم خدما يقومون بأمرها لا يكون طلب الطعام منه إلا بالإختلاف إلى المائدة، وإنما ينبغي أن لا يغفلوا بها وبخدمها عن ذكر صاحب الفضل الذي أنشأها بماله وسخر أولئك الخدم للآكلين عليها ولا عن حمده

٢٧١ / ١٬٢٢٠