جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

(غير المغضوب عليهم ولا الضالين)

الجزء ١ · صفحة ٣٤٠

هذا وقد بلغ الإسلام من دقته في هذه الأمور أن كل ما أراد أن يصل إلى هذه الأمة من مواريث النبوات السابقة أوصله إليها بطريق الوحي لا بطريق العادات الجاهلية بل قطع أولا صلتهم بالجاهلية رأسا لئلا تبقى هذه الأمة عالة على غيرها من الأمم في شيء من عقيدتها ولا في شيء من عباداتها وعادتها ويكفي مثلا لذلك تعظيم البيت الحرام الذي بقى عند العرب مما ورثوه عن أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام ولكن بما أن ذلك قد تلوث بلوثات الجاهلية صرف الله تعالى هذه الأمة أولا حتى عن الإتجاه إلى البيت الحرام في صلاتها، لتتلقى جميع أمور دينها عن ربها سبحانه، من طريق الوحي، لا من طريق العادات الجاهلية ولما استقرت عقيدتها ورسخ إيمانها وصارت لا تتلقى إلا عن الله تعالى أمرت من جديد باستقبال البيت الحرام وشرعت لها المناسك العظام بعدما محصتهم هداية الله ونجحوا في مرحلة الامتحان ولذلك يقول الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ )(البقرة/143) وفي هذا ما يكفي لأن يكون عبرة لأولى الألباب نسأل الله العون والتوفيق والتأييد والتسديد وهو حسبنا وكفى.

---

٣٢٠ / ١٬٢٢٠