نداء الفطرة أنجح طرق التربية النفسية
الجزء ٢ · صفحة ٣٤٤وقد سبق الكلام على التقوى في قوله تعالى: (هدى للمتقين) فلا داعي إلى تكراره.
هذا وقد جعل ابن جرير من الآية الكريمة سندا لمذهبه في جواز التكليف بما لا يطاق حيث أمر الله عز وجل عباده بعبادته مع علمه بأن كثيرا منهم لا يؤمنون، وتابعه على ذلك جماعة من المفسرين ولا مستند لهم في الآية، فإن إعراضهم عن الهدى ليس بإجبار من الله وإنما هو كان بمحض اختيارهم وما كتبه الله عز وجل عليهم إنما هو بحسب ما علم من هذا الاختيار.
ولا إشكال في دخول المؤمنين في عموم هذا الخطاب الداعي إلى عبادة الله، وإن كان من قبل يعبدونه لا يشركون به شيئا، لأن الأمر بالعبادة أعم من أن يحصر في إنشائها أو المواظبة عليها والاستزادة منها، فيحمل خطاب كل فريق على ما يلائم حاله.
والخطاب كما أنه موجه إلى المعاصر لنزوله، يتوجه إلى من بعدهم من أجيال البشر المتعاقبة بطريق النص لا القياس، فإنه خطاب صادر من الخالق العظيم إلى هذا الجنس من المخلوقين، وليس خطاب الحق كخطاب الخلق، إذ لم يكن خطاب مشافهة حتى يقال كيف يخاطب من هم في أصلاب الآباء أو أرحام الأمهات؟ وإنما هو خطاب لا تعتبر فيه مقاييس الخلق فهو نداء سرمدي يواجه كل من سمعه أو تلاه من جديد، وبهذا يستغنى عما فاله أكثر المفسرين في هذا الموضوع.
وبعد تذكير الناس بنعمة الله عليهم المتمثلة في إيجادهم وإيجاد أصولهم، ينتقل بهم الخطاب إلى تذكيرهم بنعم الله في الكائنات من حولهم، وفي هذا تبصير لهم بآياته الكبرى الدالة على وحدانيته، والقاضية بوجوب الانقياد له والإذعان لأمره ونهيه، فهو مرتبط بما أمروا به من عبادته.
ومعنى جعل الأرض فراشا؛ تهيئتها لأن تكون مستقرا ومستودعا للمخلوقين فيها، فهي كالفراش من حيث أنهم يتقلبون عليها حسبما أرادوا، فعلى ظهرها يمشون ويقعدون وينامون ومن حكمته سبحانه لم