جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

نداء الفطرة أنجح طرق التربية النفسية

الجزء ٢ · صفحة ٣٤٥

يجعلها رخوة كالوحل والدقيق، ولا لطيفة كالماء والهواء، ولا صلبة كالصلد، بل جعلها مهيأة لراحة الإنسان كما يقتضيه حاله، وتقديم ذكرها على ذكر السماء لأنها إلى الإنسان أقرب وحاجته إليها أمس.

والأصل في لفظة السماء أن تطلق على كل ما علا، كسقف البيت والخيمة، لأنها مأخوذة من سما إذا ارتفع، وخصصت في العرف بهذا الفضاء المحيط بالكرة الأرضية الذي نرى أبعاده شبيهة بقبة زرقاء مضروبة على الأرض، ولذلك تعتقد العامة أنها جسم أزرق مبني كالقبة، وما هي إلا فضاء واسع يسبح في عبابه مالا يحصى من الأجرام الفلكية، وهذا لا ينافي كونها طبقات لما عرف من أن الفضاء يتكون من طباق، كما أخبر الله سبحانه وفسره الاكتشاف العلمي، ومن الأدلة البارزة أن المراد بالسماء هو هذا الفضاء، قوله سبحانه في الشجرة الطيبة: (أصلها ثابت وفرعها في السماء)(1)، مع العلم أن فرعها لا يمتد إلى الأجرام الفلكية، ومثله قوله هنا: (وأنزل من السماء ماء) مع كون الماء ينزل من طبقة قريبة جدا من الأرض ينشأ فيها السحاب ويشبه في تراكمه الجبال وهو المراد بقوله: (وينزل من السماء من جبال فيها من برد)(2)، والراكب على الطائرة يخترق هذه الطبقة ويتجاوز هذا السحاب.

والمراد من جعل السماء بناء الربط بين أجرامها بسنة الجاذبية، التي هي أشبه بوضع لبنة على لبنة في البناء، فإنها يشد بعضها بعضا بما أودع الله سبحانه في كل منها من طبائع تتلاءم كما يشد اللبن بعضه بعضا، وذلك من أسباب تمكن الإنسان من الاستقرار على الأرض حتى يأتي وعد الله بانحلال هذا الرباط وتداعي هذا البناء، كما أخبر تعالى في قوله (إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت)(3)، وبجانب ذلك فإن الغلاف الهوائي المحيط بالكرة الأرضية أشبه ما يكون بالسقف المبني الواقي، فالشهب التي تتقاذف في أرجاء الفضاء لا تكاد تصلنا بسبب هذا الحاجز الطبيعي، وكذلك الأهوية المنبعثة من الأجرام السماوية ذات الطبائع المهلكة

٦٨١ / ١٬٢٢٠