جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

نداء الفطرة أنجح طرق التربية النفسية

الجزء ٢ · صفحة ٣٥٣

بسبب هوى نفوسهم واتباع شياطينهم، وليس ذلك فيهم جبليا.

هذا وفي تذكيرهم بأنهم يعلمون في مقام التقريع والزجر، تربية نفسية بالغة، فإن تذكير الإنسان بأسباب الكمال في نفسه حافز له على استخدام هذه الأسباب في تغطية جوانب نقصه، وهو مسلك تربوي قراني جاء ممن يعلم خفايا النفوس، ويحيط بأسرار طبائعها.

ولا داعي إلى تقدير مفعول لـ " تعلمون" لأن المراد به أنهم متصفون بالعلم، وليس المراد به تذكيرهم بمعرفتهم بشيء معين، خلافا لبعض المفسرين الذي قدر بعضهم؛ وأنتم تعلمون أن أولئك الأنداد ليسوا أهلا لأن يعبدوا، وقدر آخرون منهم؛ وأنتم تعلمون أن الله وحده هو الخالق، وآخرون؛ وأنتم تعلمون أن الله لا ند له في التوراة وهذا مبني على أن الخطاب موجه إلى اليهود فحسب، وقد علمت أن الصحيح غير ذلك.

واستدل الفخر الرازي- بما جاء في هاتين الآيتين من الاستدلال على وجود الله وعظمته وعلو شأنه وانفراده باستحقاق العبادة بأنواع مخلوقاته- على صحة المنهج الكلامي وأسلوب علماء الكلام، وأطال في الاستدلال لرأيه هذا، وساق له العديد من الأمثلة في القرآن، وشنع على الذين ينكرون على علماء الكلام هذا المسلك، وبين شبههم التي يتعلقون بها، وأطال في تفنيدها ودحضها شبهة شبهة، والقول الفصل في هذا أن علم الكلام إن سلك مسلك القرآن في إثبات المعتقدات الصحيحة بدلائل الفطرة والبيئة فذلك مسلك سليم وطريقة ناجحة، وإنما يعاب على المتكلمين إتباعهم أسلوب فلاسفة اليونان القدامى، وحشر مصطلحاتهم في البحث والجدل وهي طريقة عقيمة ليست من ورائها فائدة إلا كثر الكلام، وما لنا وللجدل الإغريقي وقد أغنانا الله بكتابه الكريم الذي يخاطب الإنسان بمنطق الفطرة، ويقيم عليه الحجة مما انطوت عليه نفسه،واشتمل عليه خلقه من آيات الله، ويفتح عينيه ليتأمل الآيات الكبرى في فسيح الكون من حوله، ويبين له بدلائله الصادقة وبراهينه الصاعقة أن الله سبحانه ميزه عن سائر

٦٨٩ / ١٬٢٢٠