جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

نداء الفطرة أنجح طرق التربية النفسية

الجزء ٢ · صفحة ٣٥٤

المخلوقات بما اختصه به من المواهب وبخلق الأرض وما فيها له، وتسخير منافع الكون لأجله حتى صار القطب الذي تدور عليه رحى هذا الوجود.

ولعمري إن هذه الطريقة هي أنجح طريقة في إيقاظ الفطرة من سباتها، وتنبيهها من غفلتها، وكانت هي الوسيلة لإقناع الناس بهذا الدين، من غير تعمق في الجدل ولا غلو في البحث، بخلاف المنطق الإغريقي الذي لا يمت بصلة إلى الفطرة الإنسانية، ولو قدرنا أنه صالح للإقناع في عصر ما فإنه لا يصلح لأغلب العصور، ومما يؤسف له أن ينساق علماء الكلام وراء هذا المنطق ويحشروا جل مؤلفاتهم أو كلها بجدلياته العقيمة حتى خرجوا بعلم الكلام إلى متاهات شتى، فلم يكن قاصرا على تنزيه الله سبحانه بل أصبح أشبه بالعلوم الفلسفية منه بالعلوم الشرعية.

والذي أراه- واقترحه على المفكرين المسلمين- تجريد مباحث علم التوحيد عن هذه الفلسفات والسير بها في منهاج القرآن، ولست أنحى باللائمة على المتكلمين وحدهم، فالذين يتعامون عن دلائل العقل، ويتصاممون عن حججه ليسوا من هدى القرآن في شيء، فالله تعالى يقول: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون) (1)، ويقول: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) (2)، ويقول: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب) (3)، ويقول: (كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون) (4)، فشحذ الفكرة واستخدام العقل أمران لابد منهما في فهم مقاصد الوحي.

وفي هاتين الآيتين تنبيه لأولي الألباب على الوحدة الكونية القاضية بوحدة المكون الذي لا إله إلا هو وإليه المصير.

***********

انتهى تفسير الآية

-----------------------------

1) سورة العنكبوت الآية "43".

2 ) سورة العنكبوت

٦٩٠ / ١٬٢٢٠