(وإن كنتم في ريب مما نزلنا ....وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين) (23 ، 24 )
الجزء ٢ · صفحة ٣٥٧التفعيل على الكثرة، وقد كان من بواعث شكوك هؤلاء الشكاك في القرآن أن إنزاله لم يكن دفعة، وإنما كان نجوما بحسب الوقائع والأحداث، وهو لم يختلف- حسبما كانوا يرون- عن عادة الناس في كلامهم، فالشاعر لا يلقي بقصائده دفعة واحدة، والخطيب لا يجمع جميع خطبه في مقام واحد، وإنما ينظر كل منهما إلى المناسبات التي تستوجب الحديث عنها نظما أو نثرا، ومثل ذلك شأن الكتاب والقصاص، وقد رأى أولئك الذين شككوا في صحة نزول القرآن من عند الله، أنه لو حقا منه تعالى لكان له شأن من هذه الناحية مغاير لأحوال الناس، وقد حكى الله عنهم ذلك في قوله: ( وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) (2)، وقد قيل لهم هنا: إن كنتم في شك منه بسبب ما ذكرتموه فلتأتوا أنتم بمثل نوبة واحدة من نوبه وهي سورة من قصار سوره، أفاد ذلك الزمخشري، وتعقبه أبو حيان بأنه دلالة التفعيل على الكثرة لا تخرج بالفعل عن اللزوم إلى التعدي، فالفعل اللازم إذا ضعف يبقى على لزومه، والمتعدي يبقى كذلك متعديا، وإنما يفهم من الفعلين وقوعه بالكثرة، مثال ذلك جََرَح وجرَّح، فإن الفعلين متعديان وإنما يمتاز المضعف عن المجرد بالدلالة على كثرة الوقوع، وإذا انتقل الفعل بالتضعيف عن اللزوم إلى التعدي نحو بان وبين لم يدل تضعيفه على الكثرة، ومن هذا الباب نزل ونزل، فإن نزل- بالتضعيف- لا يختلف عن أنزل في شئ، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ( وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة) حيث ضعف الفعل ولم يقصد به إلا المرة، وبهذا يتبين أن التعبير بالإنزال تارة وبالتنزيل أخرى ليس لفارق بينهما، وإنما هو من باب التفنن في الكلام، وكثيرا ما يأتي لفظ التنزيل في القرآن فيما لا يحتمل التكثير إلا بضرب من التأويل البعيد، كقوله تعالى: ( لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا)(3)، وقوله: ( وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه) (4)،هذه خلاصة رد أبي حيان على الزمخشري، وهو في منتهى القوة