الشريعة ميزان الأعمال
الجزء ٢ · صفحة ٣٨٥وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمرة لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ) (2)، وهو مبني على أن آية القتال نزلت بمكة، ولست أدري ما هو دليلهم على ذلك، فإن جل أئمة التفسير يقولون إن سورة القتال نزلت بالمدينة، وذلك واضح من نفس السورة، على أن أكثر الآيات المكية الواصفة للجنة وأنهارها ذكرت فيها الأنهار معرفة، وجوز الزمخشري أن تكون "أل" سادّة مسد الإضافة فيراد بها أنهارها، وأورد عليه بأنه مذهب كوفي، وتعقب ابن عاشور هذا الإيراد بأن الزمخشري لم يرد أن "أل" عوض عن المضاف إليه، فإنه بنفسه قد أباه في تفسير قوله تعالى ( فإن الجحيم هي المأوى )(3)، وإنما أراد أن الإضافة واللام متعاقبتان هنا، وليس ذلك صالحا في كل موضع، ورأى ابن عاشور من ذلك أن مذهب الكوفيين مقبول، وأنهم لم يريدوا إلا بيان حاصل المعنى من ذلك التعريف، فإن تقدير المضاف إليه هو الذي جعل المضاف المذكور كالمعهود، فأدخلت عليه لام التعريف العهدي، غير أنه اختار كون الداعي إلى تعريف الأنهار التفنن لسبق تنكير جنات(4).
وجملة ( تجري من تحتها الأنهار ) وصف لجنات، ( كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا) وصف ثان، ويجوز أن يكون استئنافا بيانيا لبيان حالهم في هذه الجنات لأن ذكر الجنات مشعر بالثمار، فيمكن للسامعين أن يتساءلوا عن كيفية طريقة انتفاعهم بثمارها؟ فيجابوا بذلك، وجوَّز الزمخشري وعدد كبير من المفسرين أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف تقديره هم كلما رزقوا منها…الخ، أو هي وضعف قطب الأئمة رحمه الله في الهيميان تقدير المبتدأ لتمام المعنى بدونه، ولأن الزمان لا يخبر به عن اسم العين، فلا يقال محمد يوم الجمعة، بخلاف اسم المعنى نحو الصوم يوم الجمعة مثلا، ومن الواضح أن لـ " كلما" حكم ظرف الزمان لأن لإضافة " كل" الدالة على العموم إلى " ما" المصدرية الظرفية يقتضي استغراق الأزمان المقيدة بصلة " ما" وذلك لا ينافي شرطية كلما، ككثير من الظروف التي تستمد