( وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون )57
الجزء ٣ · صفحة ٢٨٢( وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى …)
( وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون )57.
هذا تذكير بنعمة أخرى أسبغت عليهم في وقت كانوا فيه أشد فقرا إلى مثلها، إذ كان المحكى هنا عندما كانوا في التية يترددون في حدوده لا يتجاوزونها، كأنما يدورون في حلقة مفرغة، وذلك عندما طالبهم موسى عليه السلام بمقاتلة الجبارين في أرض الشام فعتوا عتوا كبيرا، وقالوا له: ( اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون )(2) ، فظلوا يتخبطون في سيرهم، يتيهون في الأرض مدة أربعين عاما، لا يدرون المخرج من محبسهم، عقوبة من الله على عتوهم، وبجانب هذا التأديب الإلهي لهم كانت عين العناية ترعاهم، وسيوب الإحسان تغمرهم، ومن ذلك ما حكاه الله هنا من تظليل الغمام عليهم وإنزال المن والسلوى إليهم، وما حكاه من بعد من تفجير الأنهار لهم من الحجر الصلد؛ وأضاف المفسرون إلى ذلك أنه تعالى سخر لهم عمودا من نور يستضيئون به، وأن ثيابهم كانت لا تبلى، وكانت تنمو بنمو أجسادهم، وهذا مما لم تثبت به حجة، والله على كل شيء قدير، لا يعجزه ذلك، كما لم يعجزه تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى عليهم.
( وظللنا ) معطوف على ( بعثناكم ) وقيل على ( قلتم )، والصحيح الأول لتناسبهما في كون كل منهما نعمة، واشتراكهم في إسنادهما إلى الله بخلاف ( قلتم )، فإنه يفيد النداء عليهم بالحماقة والجهل ولا يبعد أن يكون ترتب هذه الأحداث في الوقوع بحسب ترتبها في الذكر، وهذا هو الظاهر، وخالف في ذلك العلامة ابن عاشور حيث قال: ( والظاهر أن تظليل الغمام ونزول المن والسلوى كان قبل سؤالهم رؤية الله جهرة، لأن التوراة ذكرت نزول المن والسلوى حين دخولهم في برية سين بين