( واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين * الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون )45,46
الجزء ٣ · صفحة ١٩٢من أن الكفار مخاطبون بالعبادات وسائر فروع الشريعة خطابهم بأصل الإيمان، وقد سبق تحرير هذه المسألة في الآية التي استدل بها بما يكشف اللثام عن وجه الحقيقة في المراد بالخطاب.
والتلاؤم بين هذه الآية وسوابقها واضح، فإن الله عز وجل عندما ابتدأ خطاب بني إسرائيل ذكرهم نعمه، وأمرهم أن يوفوا بعهده ليوفي بعهدهم، وطالبهم بالإيمان بما أنزل مصدقا لما معهم، وحذرهم أن يكونوا أول كافر به، وأن يشتروا بآياته ثمنا قليلا، وأمرهم بتقواه، ونهاهم عن لبس الحق بالباطل، وكتمان الحق، ودعاهم إلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والركوع معه الراكعين، ووبخهم على أمر الناس بالبر ونسيان أنفسهم، وهذه المطالب في جملتها شاقة على أمثال بني إسرائيل الذين توارثوا عادات مألوفة، وعقائد معينة تميز الشخصية الإسرائيلية من بين سائر الناس، ولا ترضى لها التبعية والانقياد مع ما جبلت عليه نفوسهم من الحرص على جمع المال والرغبة في الترقي إلى المناصب العالية، ومما يضاعف المشقة أن النبي الذي طولبوا أن يؤمنوا به ينتمي إلى غير أصولهم النسبية، وقد بين سبحانه في هذه الآية لهم المخرج من مأزق هذه المشقة وهو استعانتهم بالصبر والصلاة.
وقد سبق تبيان الاستعانة والصلاة، وأما الصبر فأصله وضعا بمعنى الحبس، يقال صبرته إذا حبسته ومنه القتل صبرا أي في حالة حبس المقتول، ويسمى المحبوس مصبورا، ومنه قول عنترة:
واشتهر في نقيض الجزع والتملل لما فيه من حبس النفس عما جبلت عليه من الاضطراب، وعرف بأنه حبس النفس على ما تكره، واشترط الإمام محمد عبده أن يكون معه رضى واختيار وتسليم، لأنه لو لم يكن كذلك لكان كما قال الشاعر: