الصبر
الجزء ٣ · صفحة ١٩٣وما قاله الإمام إنما هو في الصبر المطلوب شرعا، وهو الذي عرفه الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين بأنه ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الشهوة، ولا ريب أن الصبر اللغوي أعم منه فإنه قد يكون بباعث الأنفة والكبر، أو بباعث الاستحياء، أو بسبب ما في طبع النفس من قوة الإحتمال، وأرى أن الصبر الشرعي نفسه هو أعم من تعريف الإمام الغزالي لأنه قد يكون حيث لا شهوة تقاوم بالباعث الديني، وذلك كالصبر على أذى الناس بسبب أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
والصبر محمود بالفطرة، ولذلك اتفق العقلاء على أنه من حميد الخصال، وهو من الأمور الضرورية لكل حي إذ لا بد من مواجهة قساوة الحياة ولأوائها، وحسبنا أن الله ذكره في أكثر من سبعين موضعا في كتابه – كما أفاده الإمام الغزالي – وجعله من أسباب السلامة من الخسران الذي حكم به على الإنسان في سورة العصر، وبيّن أجور العاملين في قوله: ( من جاء بالحسنة فله عشرة أمثالها )(4) ، وقوله: ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة )(5) ، بينما قال في الصبر: ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب )(6) ، وأخبر أنه سبب لاصطفاء من يصطفيه للخير من عباده، وذلك في قوله: ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا )(7) ، وقوله: ( وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا )(8) ، بل أخبر أن معيته للصابرين في قوله: ( إن الله مع الصابرين )(9) .
وذكر العلماء للصبر أنواعا وهي الصبر على الطاعة، وعن المعصية، وعند المصيبة، واختلفوا في مراتب فضلها، منهم من قال بأن الأفضل الصبر على الطاعة، ومنهم من قال: إن الأفضل الصبر عن المعصية، ومنهم من قال بفضل الصبر عند المصيبة، وهو بكل أنواعه مطلوب من المؤمن في جميع أحواله، وقد وعد الله عليه المثوبة، فلا داعي إلى طلب الترجيح فيما قالوه من التفضيل، وبالجملة فإن جميع الفضائل مردها إلى الصبر، وقد أجاد