جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

كثرة أنبياء بني إسرائيل

الجزء ٣ · صفحة ٢٠٦

بما صبروا ويدرأون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون )(4) .

وهذا التفضيل إنما هو بما جعل الله فيهم من النبوات المتعاقبة – بحيث كانوا أكثر الأمم أنبياء – وبما منحهم الله من النعم الخارقة للعادات كفرق البحر لهم، وإنزال المن والسلوى عليهم، ويستبان ذلك مما حكاه الله تعالى عن موسى من قوله: ( اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين )(5) .

وقد تقدم تفسير العالمين ولا بد من تقييد مفهومه هنا بما يقتضيه الأدلة، وهو أنهم فضلوا على عالم العصر الذي مُنحوا فيه القيادة الروحية بين الأمم بما أوتوه من الآيات وما أكرموا به من النبوات، وعليه يحمل قوله تعالى: ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين )(6) ، وقوله: ( ولقد اخترناهم على علم على العالمين )(7) ، أما بعد ما انتزع زمام القيادة من أيديهم ووُضع في أيدي قوم آخرين – وهم أمة خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه – فلا تفضيل لهم على أحد، ومهما يكن لهم من فضل فيما سبق فإنه لا يبلغ إلى شأو فضل هذه الأمة التي قال لها الله: ( كنتم خير أمة أخرجت للناس )(8) ، وإذا كان تفضيل بني إسرائيل بسبب تلك النبوات المتعاقبة والرسالات المتتابعة في المحيط الإسرائيلي فإن تفضيل هذه الأمة بالرسالة العظمى الخاتمة التي هيمنت على جميع الرسالات وجمعت كل ما فيها من الهدى ولم تأفل شمسها منذ سطعت على الوجود، وبأن المضطلع برسالتها هو أفضل النبيين الذي يظللهم جميعا لواؤه في المحشر، وكفى بأن جعل الله رسالته رحمة للعالمين.

وذهب الزمخشري – وتابعه كثير من المفسرين – إلى أن المراد بالعالمين هنا الجم الغفير من الناس، كما يقال رأيت عالما من الناس، أي عددا كبيرا منهم، واستدلوا له بقوله تعالى: ( باركنا فيها للعالمين )(9) وضعفه الفخر الرازي لأن لفظ العالم مشتق من العلم، فكل ما كان دليلا على الله تعالى كان عالما،

٩٨١ / ١٬٢٢٠