من بلاغة القرآن الكريم في الآية
الجزء ٤ · صفحة ٥من بلاغة القرآن الكريم في الآية :
ابتدئت الآية الكريمة بما يفيد حصر إنزال الكتاب على النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث أكدت ما هو مستقر في أذهان الذين آمنوا أن منزله إنما هو الله سبحانه وتعالى، وذلك بقول : ﴿ هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾ آل عمران7، فإن تعريف المسند والمسند إليه من دلائل الحصر ، على أن الإنزال نفسه لو كان لم يخبر عنه بما يدل على الحصر
فإن الله تعالى لا ينزل الوحي غيره ، ولم يقل هنا - سبحانه - آتاك الكتاب وإنما عبر بالإنزال من أجل الدلالة على أنه لا يختلف عما أوحاه الله إلى غيره من الأنبياء عليهم السلام ، على أنه مما استقر في عقائد أتباع الأنبياء جميعاً أن ما أنزل عليهم إنما هو من عند عنده تعالى وحده، وفي التعبير بالإنزال من التنصيص على هذا المعنى ما لا يكون في غيره كالإيتاء .
وقدم الجار والمجرور وهو قوله :﴿ عَلَيْكَ ﴾ آل عمران7 ، على ذكر المنزل وهو الكتاب لما يترتب على هذا التقديم من جليل الفوائد وهي :
• الدلالة على العناية به صلوات الله وسلامه عليه ؛ فإن في هذا ما يكفي دليلاً على أنه عز وجل شمله برعايته ووسعه بلطفه إذ بوأه مبوأ التكريم ، فما كان إنزاله لما أنزل عليه إلا تشريفاً وتكريما له صلوات الله وسلامه عليه .
• التشويق إلى معرفة المنزل : فإن في تقديم الجار والمجرور على الكتاب - مع كونه حرياً أن يُذكر أولاً لأنه المقصود بالذكر - ما لا يخفى من تشويق النفوس إلى معرفته ، وفي ذلك تنويه بقدره .
• أنه ينبني عليه أن يلي ذكر الكتاب بيان انقسامه إلى محكم ومتشابه من غير أن يتخلل ذلك ذكره لغيره . و(أل ) في ﴿ الْكِتَابَ ﴾ آل عمران7، للعهد ، والمعهود هو الكتاب المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو القرآن الكريم الذي جاء بهذه الكيفية المخصوصة بحيث كان منه المحكم و منه المتشابه .