شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في السترة

الجزء ٣ · صفحة ٤٦

بَابٌ فِي السُّتْرَةِ ( وَجَبَ عَلَى مُصَلٍّ ) إذَا تَيَقَّنَ مَجِيءَ مُفْسِدٍ أَوْ رَجَحَ حَمْلًا لِلْأَمْرِ عَلَى الْوُجُوبِ لِقَيْدِ التَّيَقُّنِ أَوْ الرُّجْحَانِ لِلْمُفْسِدِ فِي قَوْله : ﴿ إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ سَيْفًا الْحَدِيثَ ﴾ ، وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا لِلْوُجُوبِ ، لَكِنْ إنْ لَمْ يَجْعَلْ السُّتْرَةَ لَمْ تَفْسُدْ إنْ لَمْ يَحْدُثْ مَا يُفْسِدُهَا ، وَفِي الْقَوَاعِدِ " : إنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ السُّتْرَةِ ، فَلَعَلَّ وَجْهَ الْوُجُوبِ مَا إذَا تَيَقَّنَ مَجِيءَ مُفْسِدٍ أَوْ تَرَجَّحَ كَمَا ذَكَرْتُ أَوَّلًا وَالِاسْتِحْبَابُ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ، كَمَا رُوِيَ " أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ صَلَّى إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ ﴾ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ : وَجَبَ عَلَى مُصَلٍّ إلَخْ ، الْكِنَايَةُ عَنْ وُجُوبِ حِفْظِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا ، وَهُوَ لَازِمُ مَعْنَى الْكِنَايَةِ ، أَوْ وَجَبَ بِمَعْنَى تَأَكَّدَ ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ ﴾ ، أَيْ مُتَأَكِّدًا ، وَكَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ ﴾ ، فَإِنَّهُ بِظَاهِرِهِ يُوجِبُ عَلَى جَارِ الْمَسْجِدِ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا ، بَلْ الْمُرَادُ تَأَكُّدُ صَلَاتِهِ فِيهِ أَوْ الْوُجُوبُ اللُّغَوِيُّ ، فَيَكُونُ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً مَجَازًا عُرْفِيًّا خَاصًّا ، لِأَنَّ الْوُجُوبَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ اللُّزُومِ ، وَالْقَرِينَةُ مَا ذَكَرَ مِنْ الِاسْتِحْبَابِ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ ، وَكَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صَلَّى بِلَا سُتْرَةٍ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ، وَالدَّاعِي إلَى التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ التَّلْوِيحُ إلَى التَّأْكِيدِ ، وَإِذَا اجْتَمَعَتْ الْوَهْبِيَّةُ قِيلَ : لَزِمَتْ الْحُجَّةُ لَا اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ ، وَإِنَّمَا تَصِحُّ السُّتْرَةَ بِجَعْلِهَا مَعَ نِيَّتِهَا أَوْ بِوُجُودِ مُنْتَصَبٍ قِيلَ وَيَنْوِيه سُتْرَةً كَمَا يَنْوِي السَّارِيَةَ ، وَأَمَّا مَا وُجِدَ وَلَمْ يَنْوِهِ فَلَا يُجْزِئُهُ ( جَعَلَ كَعَصًا أَوْ سَيْفٍ

١٬٠٤٦ / ١٧٬٤٣٨