تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

197

الجزء ١ · صفحة ٢٣١

« لا ينبغى لأحد أن يحرم بالحج إلا فى أشهره » ، أراد به التحريم ، بدليل الأحاديث الفاصلة على أنه لا يصح الإحرام بالحج قبل أشهره ﴿ فَلاَ رَفَثَ ﴾ فى الحج ولا جماع كما تعورف شرعا ، أو فلا فحش كلام فى أمر الجماع ومقدماته ، وهو المعنى الحقيقى للرفث ، وعليه فبالأولى أن لاجماع ﴿ وَلاَ فُسُوقَ ﴾ فى الحج ولا غيره ، ومنها السب والنبز باللقب ، فمن فعل كبيرة بعد الإحرام لزمه دم ﴿ وَلاَ جِدَالَ فِى الْحَجِّ ﴾ فى أيامه بعد الإحرام به ، ولو مع المكارى أو الخادم أو الرفقة ، ومن جادل حتى أغضب أو غضب لزمه دم ، ولو فى الحق والمباح ، وقيل المراد لا جدال فى أيام الحج ولو قبل الإحرام ، واللفظ إخبار ، والمعنى إنشائى أى لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا ، أو إخبار لفظا ومعنى ، أى لا يثبت ذلك فى دين الله ، وإن كان فمن دين الجاهلية والشيطان ، والفسوق محرم على الحاج وغيره وذكر هنا لمزيد التغليظ ، كالنهى عن لبس الحرير فى حق الرجل حال الصلاة ، مع أنه محرم فى غيرها أيضا ، أو الفسوق بمعنى الخروج ، أى لا تخرجوا عن حد الشرع إلى المعصية ولو صغيرة ، وإلى ما لا يجوز فى الإحرام كلبس المخيط والتطيب والصيد ، وزعم بعض أن الجدل بالحق غير منهى عنه ، ويرده مخالفة ظاهر الآية ، وأنه يقضى إلى شر ، وقد قال D ﴿ فلا تمار فيهم ﴾ الأمر لظاهر ، وقال A : « من ترك المراء وهو محق بنى له بيت فى أعلى الجنة » ، ومن تركه وهو مبطل بنى له فى ربضها ، وغير ذلك وعدم ذكره فى قوله A « من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه » لا يدل على عدم النهى عنه لأن عدم ذكر الشىء لا يدل على انتقائه ويروى أن معنى لا جدال فى الحج ، اتركوا الخلاف فى الحج إذ كانت قريش تقف بالمزدلفة وسائر الناس بعرفة ، وكانوا يقدمون الحج عاما ويؤخرونه عاما ، فأنزل الله ذلك فنقول أيضاً لا جدال فى ذلك ولا في غيره ولم يضمر للحج لتأكيد شأنه ﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ ﴾ كالكلام الحسن مكان الرفث والبر ، والتحصن مكان الفسوق ، والوفاق بالأخلاق الحميدة مكان الجدال فى الحج وغيره كالصدقة والصوم والنفل وسائر العبادة ﴿ يَعْلَمْه اللهُ ﴾ فيجازيكم به ، وكذلك يعلم الشر لكن لم يذكره لأن المقام مقابلة الشر بالخير ، أو أراد بالعلم الجزاء ﴿ وَتَزَوَّدُواْ ﴾ لآخرتكم الأعمال الصالحة وترك ما ينهى عنه ، وترك الطمع والسؤال مع وجود الغنى عنه ، فمن لم يتزود لها هلك بالنار كما يموت مسافر بلا زاد ﴿ فَإِنَّ ﴾ لأن ﴿ خَيْرَ الزَّادِ ﴾ لأن الزاد شمل زاد الدنيا وزاد الآخرة ﴿ التَّقْوَى ﴾ الحذر عن ترك الفرض وفعل المحرم ، ومنه الإلحاح فى السؤال بل مطلق السؤال بلا حاجة إليه مضطرة ، والخروج إلى الحج بلا زاد ، فيكون عيالا على الناس وثقلا عليهم ، فالتحرز عن ذلك من حملة التقوى ، ويروى أن حجاج اليمن كانوا يفعلون ذلك ، ويزعمون أن ذلك توكل على الله ، فأوحى الله ، أن تزودوا ما يبلغكم ويرجعكم ، كما رواه البخارى وأبو داود والنسائى عن ابن عباس رضى الله عنهما حتى فسروا الزاد بطعام المسافر وشرابه ، طبق ما يفعل اليمانيون ويقولون نحن حجاج بيت ربنا ووفد إليه ، أفلا يطعمنا ، وربما أفضى بهم ذلك إلى النهب والغضب ، وما ذكرته أولا هو الراجح لأنه ظاهر الآية ، وعلى الأخير يكون المعنى اصنعوا الزاد لسفر الحج لأن خير الأزواد تقوى ، ومن لا يصنعه يخرج عن التقوى بالطمع والسؤال ﴿ وَاتَّقُونِ يَأُولِى الأَلْبَبِ ﴾ فقد وضعت فيكم من العقل ما يميل بكم عن المخالفة .

٢٣١ / ٦٬٠٩٣