8
الجزء ٨ · صفحة ٢٨٦﴿ أفمن زُيِّن لهُ سُوء عَمَله ﴾ أى عمل الشيطان ، أو عمل نفسه ، زين الشيطان والهوى له المعاصى ، فكانت عملا له ﴿ فرآه حَسَناً ﴾ الهمزة الانكار مساواة من حسن عمله ، والفاء للعطف على محذوف ، أى أيجوز ترك التدبر ، فمن زين الخ ، أو داخلة على جواب شرط مقدر ، والهمزة مما بعدها والتقدير اذا علمتم ذلك ، أفمن زين ، وخبر المبتدأ وهو من الموصولة أو الشرط محذوف تقديره مع ما عطف عليه محذوفا ﴿ أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا ﴾ ومن استقبحه وعمل الصالحات متساويان ، أو يقدر بلا عطف ، أى كمن استقبحه واجتنبه ، أو يقدر المحذوف بالفاء على الشرطية ، وكذا اذا قدرنا كمن هداه الله لدلالة قوله D : ﴿ ويهدى من يشاء ﴾ وكذا الحذف فى قوله جل وعز : « فمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه » وقد ذكر الخبر الخبر فى قوله تعالى : ﴿ أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله ﴾ وقوله D : ﴿ أفمن يعلم أنما أنزل ﴾ إلخ ، وقوله سبحانه : ﴿ أو من كان ميتا ﴾ الخ وسوء عمله بمعنى فتح عمله .
وقيل : من اضافة الصفة الى الموصوف ، والتحقيق أن خبر المبتدأ الشرطين هوجملة جوابه لا جملة الشرط اذا تمت به الفائدة ، ولا نترك ما هو ظاهر الى غير الظاهر لتكلف ، ومن يزعم انه جملة الشرط ناقض قوله بقوله : إن الفاء تزاد فى خبر الموصول تشبيها بالشرطى ، وعلل سببة التزيين لرؤية القبيح حسنا بقوله : ﴿ فإنَّ الله يُضلُّ من يَشاء ﴾ مثل من كفر برسول الله A ﴿ ويَهْدى من يَشَاء ﴾ مثل من آمن به A ، ولا عجب فى اتباع العاقل عدوه فى تزيينه ، ألنهم لا يدرون أن الشيطان عدوهم ، ولأن هواهم من أنفسهم معين ، وهم كمن سلب عقله بشدة التزين وزخرفته ، حتى أنه قال : ﴿ من زين ﴾ ولم يقل الكافر ، وذلك كله بخلق الله ذلك ، وإيقاعه كما قال معللا : ﴿ فإن الله يضل ﴾ الخ أى لأن الله يضل الخ فلا قدرة لك على أن تسلك الضال فى زمرة المهتدى .
﴿ فَلا تَذْهبْ ﴾ تتلف ﴿ نفسُك ﴾ روحك كله ﴿ عليْهِم حَسَرات ﴾ عطف انشاء على اخبار وتفريغ عليه ، ولا حاجة الى جعله جواب شرط ، أى اذا كان الأمر كذلك فلا تذهب ، ولا الى دعوى التقديم والتأخير ، وأن التقدير أنه A قال : لا ، جوابا لقوله D : « أفمن زين له » فإذا كان جوابك لا فلا تذهب نفسك عليهم حسرات لأن الله يضل الخ ، ولا دليل على ذلك ، وليس كل ما صح فى نفس الأمر يقدمر تفسير للقرآن ، والحسرة الغم والندم على ما فات ، كأنه انحسر عنه حمله على ما ارتكبه ، أو انحسرت قوته لشدة غم ، أو أدركه عياء عن تدارك ما صدر منه ، وعليهم بمعنى لأجلهم ، وحسرات حال مبالغة كأنهم نفس الحسرات ، أو يقدر ذات حسرات أو حاسرات ، أو يتعلق بحسرات ، ولو كان جمع مصدر ، لأن هذا المصدر ليس هنا على معنى حرف المصدر والفعل ، ولتوسعهم فى الظروف واذا علق بحسرات وليس تعليلا صح جعل حسرات مفعولا من أجله اذ لا يتكرر المفعول من أجله بلا تبعية ، ولا يصح تعليقه بتذهب الا على معنى التعليل .