9
الجزء ٨ · صفحة ٢٨٨﴿ والله الَّذى أرْسَل الرياح ﴾ مبتدأ وخبر للحصر ، أى الله هو أرسل الريح لاثارة السحاب اذا شاء ، لا كلها أرسلها أثارت ﴿ فتُثِير ﴾ تنهض ﴿ سحاباً ﴾ أى هو الذى أرسل الرياح فيما مضى ، وكلما أرسلها تحضرها الاثارة ، والاثارة ماضية ، عبر عنها بمضارع الحال ، لتكون كالمشاهدة فقيسوا عليه المستقبل ، فذلك وجه المضى فى الارسال ، ووجه الحالية والاستقبالية فى الاثارة ، ولكن الحالية مجازية لقرب الارسال بالاثارة ، أو أرسل بمعنى يرسل ، والماصى للسرعة المتفرعة على قول كن ، وكأنه مضى كما قال الله D : ﴿ يرسل الريح نشراً بين يدى رحمته ﴾ بالمضارع ، وقال فى سورة الروم : ﴿ الله الذى يرسل الرياح فتثير سحابا ﴾ وأيضا الارسال متقدم على الاثارة حسب المضى فهو متقدم والاثارة بعدها .
﴿ فسقناه الى بلدٍ مَيِّتٍ ﴾ لا نبات فيه يعتبر ، أو البتة شبيه بما مات من ذوات الأرواح فى عدم صدور شىء منها وضده فى قوله : ﴿ فأحْيينا به ﴾ بمطره ﴿ الأرضَ ﴾ المعهودة بلفظ بلد ميت ، فأل للعهد ، ومقتضى الظاهر فأحييناه برد الهاء الى البلد ، ولكن ذكر باسم الأرض مع اعادة ذكر الموت فى قوله : ﴿ بعْدَ مَوْتها ﴾ تلويحا الى أن المطر حياة للأرض الميتة هكذا مطلقا ، ولو كان فيها نبات ، وتفسيرا للبلد الميت فإنه فى الآية نكرة فى الاثبات ظاهرة فى بلد واحد ، ولأنه أوفق بالعبث المطلق ، وقال بعد موتها مع أن ذكر الاحياء يغنى عنه للاشارة ، قيل : الى أن الموت للأرض الذى تعلق به الاحياء معلوم عندهم .
﴿ كَذلكَ ﴾ مثل انبات الأرض بعد أن لا نبات فيها ﴿ النُّشُور ﴾ نشرنا الموتى من قبورهم أحياء كما ينشر الثوب بعد طيه ، أو مثل ذلك النبات بالمعنى المصدرى نشور الموتى ، أى حياتهم قال الأعشى :
حتى يقول الناس مما رأوا … يا عجبا للميت الناشر
أى الذى حيى ، ووجه الشبه أنه كما قبلت الأرض الميتة النبات ، تقبل أعضاء الميت الحياة ، وكما تجمع الرياح قطع السحاب ، يجمع الله أجزاء الموتى ، وكما يسوق السحاب الى البلد الميت فينبت بمائه يسوق الروح والحياة الى الأبدان ، وكما يرسل الماء الى الأرض فتنبت يرسل ماء المنى ، وكالطل من تحت العرش الى الموتى فيَحْيَوْن ، كما جاء فى الحديث .