تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

10

الجزء ٨ · صفحة ٢٨٩

﴿ مَنْ كانَ يُريدُ العزَّة ﴾ بالمعصية كالتكبر على الغير بلا حق ، وكما يتعزز الكفار بالأصنام كما قال تعالى : ﴿ اتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاً ﴾ وكما يتعزز المنافقون بالمشركين ، كما قال جل وعلا : ﴿ الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة ﴾ والجواب محذوف أى يخب أو يذل ، أو فليطلبها من الله بالطاعة ، أو فهو مغلوب ، أو فليطع العزيز لقوله A : « إن ربكم يقول كل يوم أنا العزيز فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز » نابت عنه علته فى قوله تعالى : ﴿ فللَّه العزَّة جميعاً ﴾ أى لأن العزة لله جميعا ، وأما قوله تعالى : ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ﴾ فلا يرد على ذلك ، لأن تعزز الرسول والمؤمنين ليس بطريق المعصية ، بل بالتقرب الى الله عز جل .

فى الآية حصران : أحدهما بتقديم ﴿ الله ﴾ والآخر ب ﴿ جميعا ﴾ وإن جعلنا أل فى العزة للاستغراق كان حصرا آخر ، لا إن جعلناها للحقيقة ولا يصح جعل أل فى الأول للاستغراق ، ولا للفرد الكامل لأنه لا يعتاد ذلك فى الناس ، فضلا عن أن يقال من كان ذلك الا ما شذ وقل ، مع أنه لا يخلو قلب صابحه من خلاف ذلك ، الا أن قال : ذكر الله ذلك ليذكر اختصاصه تعالى به لا لصدور ارادته من أحد ، وجميعا حال من الضمير فى لله .

﴿ إليْه يصْعَد الكَلِمُ الطَّيبُ ﴾ الخ بيان لما تحصل به العزة عند الله للانسان ، وبيان لكون العزة كلها له تعالى ، وهى بالطاعة ، ولا يعتد بها مالم تقبل ، وأجيز أن يكون اسئنافا ، واذا أمكن التعلق للجملة بما قبلها ، وأمكن الاسئتناف ، فالتعلق أولى لزيادة الفائدة ، والكلم الطيب : لا إله إلا الله لأنه يستطيبه العقل لأنه منجاة ، والشرع والملائكة ، وكل كلمة منه طيبة ، لأنه يتوطل بلا وبإله الى الاستثناء ، فكلاهما حسن فى العباة ، ولا يخفى أن ذكر الألوهية لغير الله ، تنفى أمر حسن ، وإن قلنا : الكلمة هنا بمعنى الكلام التام المفيد مجازا على المشهور ، كقوله تعالى : ﴿ وتمت كلمة ربك ﴾ ﴿ كلا انها كلمة ﴾ وقوله A : « أفضل كلمة قالها شاعر قول لبيد : »

ألا كل شىء ما خلا الله باطل … الخ فالجمع باعتبار الناطقين ، وعلى التجوز تكون القرينة الوصف بالطيب ، لأن الأصل فى الطيب الكلام التام المستلذ ، وعن ابن مسعود موقوفا : « هو سبحان الله ، والحمد لله ، ولا اله الا الله ، والله أكبر ، وتبارك الله ، يصعد بهن مالك لا يمر على جماعة من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن » وعن أبى هريرة ذلك الى والله أكبر ، وقيل : ذكر الله مطلقا ، وقيل : القرآن ، وقيل : كل كلام لله D من ذكر وأمر ونهى ووعظ ، ونعت الكلم بالمفرد لجواز ذلك فى اسم الجمع ، ولأن أصله فعيل فقدم الياء وأدغم ، وفعيل بوزن مصدر السير ، والصوت يصلح ، والمصدر للقليل والكثير ، والصعود مجاز مرسل عن القبول ، لعلاقة الاعتبار بالصاعد أصلى ، اشتق منه يصعد على طريق المجاز المرسل التبعى ، أو استعارة أصليه للقبول بعلاقة الاعتبار ، واشتق منه يصعد على طريق البعية ، أو الكلم مجاز عن نحو الورقة التى كتب هو فيها لحلول متضمن الكلم فيه ، أو يقدر مضاف أى صحيفة الكلم ، أو شبه وجوده فى الأرض وكتبه فى السماء بالصعود .

٣٬٧٨٩ / ٦٬٠٩٣