43
الجزء ١٠ · صفحة ٢١﴿ إن شَجرة الزقُّوم ﴾ أى الشجرة المسماة بالزقوم أو النابتة بمائع فى جهنم ، لو قطرت منه قطرة فى الدنيا لأفسدت طعامها شرابها وانتنتها ، شجرة صغيرة الأوراق ، كريهة الرائحة ذات لبن يتورم ما أصاب من الجسد ﴿ طَعَام ﴾ أصله مصدمر ، ولذلك أخبر به عن المؤنث أخبر به لأن شجرة كالزائد ، وكأنه قيل : ان الزقوم طعام الأثيم ، كما قال الشاعر :
إنارة العقل مكسوف بطوع الهوى … أى أن العقل مكسوف ، وأولى من ذلك أن يقال : ان الجوامد لا تغير غير الاشارة والموصول تقول : بغيتى العلم ، والعلم بغيتى بلا تأويل ﴿ الأثيم ﴾ عظيم الاثم وكثيرة ، وهو المشرك ، لأن الكلام فى المشركين قبل ، ولقوله بعد : ﴿ إن هذا ما كنتم به تمترون ﴾ وليس المراد بالأثيم خصوص أى جهل كما قيل عن سعيد بن جبير ، ولا خصوص الوليد كما قيل فضلا عن أن يقال ان غيرهما يؤخذ من خارج ، بل الآية نفسها تعمهما وتعم غيرهما ، ولا يقدح فى العموم ما قال سعيد بن منصور ، عن أبى مالك : ان أبا جهل كان يأتى بالتمر والزبد فيقول تزقموا فهذا الزقوم الذى يعدكم به محمد A ، فنزلت : ﴿ ان شجرة الزقوم طعام الأثيم ﴾ لأن المعتبر عموم اللفظ لا خصوص سبب النزول .
وكان ابن مسعود يقرىء رجلا طعام الأثيم ، ولم يطاوعه لسانه إلا أن يقول اليتيم بدل الأثيم ، فقل له ابن مسعود ، أتستطيع أن تقول طعام الفاجر؟ قال : نعم ، قال : فقل طعام الفاجر ، رواه عوف بن عبد الله ، وبورى الحاكم عن أبى الدرداء مثله ، وابن مردويه عن أبى أنه كان يقرىء فارسيا فأبى لسانه إلا اليتم ، فمر به النبى A فقال له : « قل طعام الظلام » وعن أبى بكرة ، عنه A : « القرآن كله كاف شاف ما لم تختم آية رحمة بعذاب أو آية عذاب برحمة » قلت أما خبر ابن مسعود وأبى الدرداء وأبى فلعل المراد قراءة معنى لا قراءة الكتاب المنزل ، كما كثر فى السن الصحابة قراءة القرآنه بالتفسير للمعنى لا للتلاوة ، أو أرادوا أن يقرأ اللفظ بالبدل تفسيرا ليتدرج منه الى قراءتها بلفظ النزول اذا فهم المعنى .
ويشبه هذا ما وقع لى مرارا يقرأ التلميذ لفظا بالعربية فلا أسمعه لضعف السمع أو للكنة فى لسانه ، أو لعجمة منه ، أو اخفاء فيعيده لى هو أو أحد بلغتى ، أو بلفظ عربى ، فيخطر فى نفسى نفس اللفظ الذى قرأه ، وأنا حديث أبى بكرة فلعله فى الصلاة مثلا أو غيرها بلا عمدم ، فيريد أنه لا فسصاد لصلاته بذلك ، ولا اثم ، بل ثواب كما يشاهد ممن لا يحفظ القرآن يقرأ غفورا رحيما بدل عليما حكيما أو نحو ذلك ، أو كانت الاباحة حين قل الكتاب والضباط ، ثم نسخ ، قال أبو عمر بن عبد البر ، والباقلانى وغيرهما ، ان فعل ذلك صحابى أو أباحه بعده A فلعله لم يصله النسخ ، واذا لم يجز ابدال كلمة عربية بكلمة عربية ، فأولى أن لا يجوز بكلمة عجمية ، وشهر عن أبى حنيفة اجازته ، وصحح عنه بعض محققى مذهبه خلاف الجواز .